بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
من بين أفدح الأخطاء وأرزح الخطايا التي بوسعك أن تدين بها ملالي الشريعة، ما أشاعوه في الناشئة على مر الزمان من فهمٍ خاطئ للجهاد في سبيل الله. وهذا الفهم الخاطئ للجهاد في سبيل الله عادَ على الأمة بما لا يمكن حصرُه وإحصاؤه من الكوارث والمصائب والرزايا. يكفيك أن تنظر إلى واقع حالنا لترى بأم عينيك ما آل إليه أمرنا على يد هؤلاء الذين نصَّبوا أنفسهم أوصياء على دين الله تعالى وعلى كيفية تديُّننا به، فكان أن تمزَّقت الأمة أشلاء وانهارت مدننا على رؤوس ساكنيها، وتشرَّد الأهلُ وقُتل من قُتل بدمٍ باردٍ وحار! إن هذا كله ليصرخ في وجه ملالينا إدانةً لهم على تفريطهم بالأمانة التي حملوها ولم يرعوها حق رعايتها. فلو أنهم كانوا على شيء لفقهوا الجهاد كما كان ليجعلهم فقههم الصحيح له يقودوا الأمة إلى بر الأمان وليس إلى التخبُّط والتشخُّط في دم بعضنا البعض.
والآن، كيف السبيلُ إلى فقه الجهاد كما جاء به القرآن العظيم؟ إن تدبُّر هذا القرآن له أن يجعلك تعي أن الجهاد في سبيل الله تعالى لا يمكن أن يؤسَّس إلا على تقوى من الله ورضوان تستلزم أن يكون المجاهدون في سبيل الله قد جاهدوا أنفسهم قبل أن يشرعوا في الإغارة جهاداً في سبيل الله. فلن يكون بمقدورك أن تنطلق في الغارة جهاداً في سبيل الله ما لم تكن قد جاهدتَ نفسك في سبيل الله قبلها، وإلا فلن تكون غارتك إلا إغارةً على الأبرياء تروِّع أطفالهم وتسبي نساءهم وتقتل شيبهم وشبابهم ذبحاً وتقطيع أوصال وإفساداً في الأرض.
لقد فات ملالينا أن يزرعوا في ناشئة الأمة هذا الذي كان من شأنه أن يحولَ بينهم وبين الغلو والتطرُّف فيظن واحدهم بذلك أنه مجاهدٌ في سبيل الله، وهو لما يجاهد نفسَه فيحملها على ما تكره ويروِّضها لتأتي الله طائعةً مطيعةً دون أن ينبس لها بنتُ شفة. فكل جهاد في سبيل الله لم يؤسَّس على جهاد للنفس في سبيل الله ما هو إلا قتلٌ للنفس التي حرَّم الله. ولذلك فإن زماننا هذا لا يمكن بحال أن يكون زمان الجهاد في سبيل الله مادمنا بعيدين كل البُعد عن جهاد النفس في سبيل الله جهاداً نتمكَّن به من أن نروِّض هذه النفس فلا يكون بمقدورها بعد هذا الترويض أن تعتدي على حرمات الله، فتقتل مَن هبَّ ودَب من الأبرياء بغير الحق الذي لن تستبينه فتتبيَّنه واضحاً صريحاً دون أن تشوبه شائبةٌ من باطل إلا بأن تُساس وتُجاهَد بالترويض والتريُّض، فلا تعودُ نفسك التي تعرف.
إن عالمنا المُثقَل بالجراح والمصائب والكوارث هو في غنىً عن الجهاد في سبيل الله، وهو في الوقت ذاته بأمس الحاجة إلى جهاد النفس في سبيل الله، ما دام هذا الجهاد هو تجلٍّ من تجليات الرحمة التي ابتُعِث بها حضرةُ سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم للناس كافة أجمعين. فعالمُ هذا الزمان يحتاج منا إلى الكلمة الطيبة والعمل الصالح، لا إلى سيوفٍ ننهالُ بها على رقاب الأبرياء والمساكين والواحدُ منا ما حمل على نفسه فأغارَ عليها بسيفٍ ولا سكين ليقطع رؤوس تنانينها التي هي بحق رؤوس الشياطين.

قام بإعادة تدوين هذه على إتحاد القوى الصوفية وأضاف التعليق:
جهاد النفس في سبيل الله… الفريضة المُغيَّبة
إعجابإعجاب