بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لك أن تنظر إلى حضارتنا الغربية المعاصرة فتراها على ما تبدو لك عليه بجمالها الأخاذ وصنائعها المُبهِرة ومَدَنيتها التي يسَّرت لنا عيشنا فيها حتى لكأنها جنة الأحلام. إلا أن ما ليس لك، هو أن تتوهم أن هذا هو كل ما في الأمر، وأن ليس هناك من نظرةٍ أخرى إليها تراها كما يتوجب عليك أن تُبصِرها بها فتراها على حقيقتِها من بعدِ أن نظرتَ إليها فرأيتها على واقعها. وأنتَ لابد تعلم أن واقع الشيء ليس له بالضرورة أن يكون حقيقته. فإذا كان واقعُ هذه الحضارة مُبهِراً ساحراً خلاباً للألباب، فما هي يا ترى حقيقتُها التي حجَبَها واقعُها بهذا الحجاب الذي يزدادُ سُمكاً وغلاظة على مدار الساعة؟
تدبّر الآية الكريمة 131 من سورة طه (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). فالحضارة المعاصرة تُشبه الزهرة في بهيج جمالها ومُبهِر فتنتها، إلا أنها تبقى مع كل هذا زهرةً يصحُّ فيها ما يصحُّ في غيرها من زهور هذه الدنيا؛ فالزهرة كما نعلم كلنا جميعاً قصيرةٌ حياتها التي ستنتهي بها إلى أن تصبح هشيماً تذروه الرياح. وحضارتُنا هذه هي كذلك، فلابد وأن يجيء يومُ وصولها إلى هذه النهاية المحتومة. لذلك فإن النظرةَ الصائبةَ إليها هي تلك التي تحدثتُ عنها في منشورٍ سابق فوصفتها بالنظرة إلى “الكأس بنصفيها”؛ أي أن تنظر إلى الحضارة المعاصرة فتراها زهرةً جميلة، على أن لا ينسيك جمالها ما قدِّر لها أن تنتهي إليه من مصير لابد منه.
