بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
طلعَ علينا الحداثيون، والحداثيون الجدد، بفِريةٍ صدَّقها كثيرٌ منا، فكان أن أعرضوا عن الإسلام بحجة أنَّه دينٌ لا يلائمُ هذا العصر! وكان أن بلغَ بهؤلاء الولوغُ في الجهلِ والتجهيل أن تطاولوا على القرآن العظيم وقالوا عنه إنه كتابٌ انقضى زمانُه وولى! لقد فاتَ هؤلاء المؤلِّهون للإنسان، والمُعظِّمون لعبقريته، والطائفون حول صنمِ عقلِهِ، أن هذا العصر لم يأتِ بجديدٍ غيرَ هذا الذي تجلَّى حضارةً ومدنيةً وعيشاً رغيداً مُرفَّهاً. أما إنسانُ هذا العصر، فهو ذاتُه الإنسان الذي يُخطئُ مَن يظنُّ أنَّه يختلفُ في الجوهر والمعنى عن إنسان العصور الغابرة المختلف عنه في المبنى. فالناظرُ إلى إنسان العصور الغابرة له أن يرى الفرقَ بين هذا الإنسان وبين إنسان هذا العصر متجلياً في الشكليات من قصَّةِ شعرٍ وحلاقةِ ذقنٍ وثيابٍ طالت أو قصُرت! أما الإنسان، فهو هو، على حالِهِ الذي كان عليه، وعلى حاله الذي هو عليه، وعلى حاله الذي سيبقى عليه إلى يوم القيامة.
لذا كان القرآن العظيم كتاباً صالحاً لكل زمانٍ ومكان، متعالياً على العصر، إلى يوم القيامة. فالإنسان الذي جاء القرآنُ العظيم ليخاطبَه قبل أكثر من 1400 عاماً، مشكلته الإنسانية هي ذاتها التي يتعذَّبُ جراءها إنسان هذا العصر. فكيف يريدنا مُؤلِّهو العقل، من حداثيين وغيرهم، أن نصدِّق معهم أن هذا القرآن لم يعد صالحاً ليخاطب إنسان هذا العصر؟! هل تغيرت مشكلة الإنسان في هذا العصر ليُصبح بهذه المشكلة الجديدة إنساناً آخر فلا يعود القرآن بمقدوره أن يقدِّم حلاً لمشكلته هذه؟ لقد فاتَ هؤلاء المؤلِّهين لغير الله أن اللهَ، إذ أنزلَ قرآنه العظيم قبل أكثر من 1400 عاماً، فإنه كان يعلم ما هو الإنسان وما هي مشكلتُه التي التاثَ بها منذ أن أكل أبواه من الشجرة المُحرَّمة في الجنة. ولقد فاتَ هؤلاء أيضاً أن الأصل في التقدُّم والتأخُّر هو ليس ما تنظر إليه حولك فتراه متجسداً في واقعك مدنيةً متخلِّفةً أو حضارةً متقدمةً، ولكنه ما يجعلُ الإنسان إنساناً جديداً، بقهره لنفسِهِ وتغلُّبه على مشكلتها، أو إنساناً تقليدياً هو ذاته الذي كان قبل آلاف السنين يعاني ما يعانيه إنسانُ هذه الألفية، وهو ذاته إنسان المستقبل بعد آلاف السنين مادام هو ليس بقادرٍ على أن يتحرر من ذاك الماضي الآدمي الذي هو علَّةُ مشكلته.
إذاً فالقرآن العظيم كتابُ هذا العصر مادام إنسانُ هذا العصر هو ذاتُه إنسانُ قريش، والقرآن العظيم هو كتابُ كلِّ عصرٍ إلى يوم القيامة مادامَ إنسانُ المستقبل هو ذاتُه إنسان الماضي والحاضر.
