بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يعلِّمنا القرآن العظيم أن هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن تكون أيامُها كلُّها جميعاً وفق ما نشاءُ ونشتهي فنعيشُها رغيدةً هانئةً بلا مُنغِّصاتٍ ولا كدر. فالعُسرُ قانونٌ لابد وأن تعاني من تجلياته وآثاره مادمت قد خلقك الله تعالى بشراً. إلا أن هذا العسر قد أبان اللهُ تعالى عن حقيقةٍ بشأنه ما كنا لنعرفها لولا أنه علَّمنا أن العسرَ لا يتجلى في حياتِنا إلا ويتجلى معه يُسرٌ كان العسرُ ليكون أدهى وأمر لولا هذا اليُسرُ المصاحِبُ له بالضرورة. ولعلك الآن قد تذكرت الآيتين الكريمتين من سورة الشرح (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا(6)). إن هذا اليُسر، الذي هو من العُسر كالظل من الشيء، لا قدرةَ لنا على أن نتبيَّنه إذ نحن ننشغلُ بالعُسرِ عنه فنظنُّ أن ما ابتُلينا به من العسر هو كل ما هنالك. وهذا ليس بالعجيب؛ فنحنُ بشرٌ لا نستطيعُ أن ننظرَ إلى الشيء إلا لنراه واقعاً دون أن نتمكن من سبرِ هذا الواقع لنقعَ على حقيقته. فاللهُ تعالى ما كان ليُعسِّر علينا حياتنا إلا وجعل في تعسيره الظاهر تيسيراً مبطِّناً لهذا العسر فلا يكونُ عسراً محضاً خالصاً كما نتوهم. وفي هذا رحمةٌ منه تعالى بنا ونحن الذين خُلقنا ضعفاء. ولأنه الرحيمُ أبداً، فلقد جعل اليُسر الذي تكون حياتنا به هانئةً فنعيشها آمنين مطمئنِّين، يسراً خالصاً من كل شائبةٍ من عسر فيتجلى هذا اليُسر فيها دون أن يكون له ظلٌّ من العُسر الذي لو جاءَ مصاحِباً لليُسر لشابه فخالطه فطغى عليه وذهب به فلا يعودُ بعدها يسراً. فالحمد لله الذي بطَّن العسرَ يسراً وجعل اليُسر إذ يجيء خالصاً من كل عسر.
