بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يظن الكثير أن آدم وحواء عوقبا على عصيانهما الله تعالى بأكلِهما من الشجرة المحرَّمة التي نُهيا عن أن يقرباها فأُخرجا من الجنة. وهذا ظنٌّ لا علاقة له بالحقيقة. صحيحٌ أن آدم وحواء عصيا اللهَ، إلا أنه تعالى تاب عليهما وهما في الجنة. تدبَّر الآيات الكريمة التالية من سورة طه: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى(121)ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123)وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)). والآيات الكريمة من سورة الأعراف (فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ(22)قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ(23)). والآيات الكريمة من سورة البقرة (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36)فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون).
يتضح لنا جلياً بتدبُّر هذه الآيات الكريمة أن الله كان قد تابَ على آدم وحواء وهما في الجنة، فلماذا كان عليهما أن يُخرجا منها من بعد هذه التوبة؟ مرةً أخرى قد يسارعُ البعضُ إلى توهُّم وجود تناقضٍ بين آيات القرآن الكريمة، وما هذا إلا لأنه لم يُعمل عقله وفق ما بيَّنتُ، في منشور سابق، بخصوص الحقيقة وكيف أنها لا تكون كذلك إلا إذا تجلَّت كاملةً مكتملةً دون نقص. إن تدبُّر الآيات الكريمة المذكورة أعلاه كفيلٌ بجعلنا نقع على هذه الحقيقة، والتي بوسعنا أن نتبيَّن فيها العلة وراء وجوب إخراج آدم وحواء من الجنة. فاللهُ تعالى كان قد تاب عليهما فلا مبرر هناك إذاً لمعاقبتهما على معصيتهما، غير أن آدم وحواء لم يكونا مجرد إنسييَن فحسب، ولكنهما كانا زوجين، وبالتالي فإن معصيتهما لم تقتصر عليهما بل تعدَّتهما فضربت عميقاً داخل البُنية الوراثية لهما فكان أن انتقل الضرر الذي تسبب به أكلهما من الشجرة إلى ذريتهما. وهذا الانتقال لم يكن ليزول بعفو الله تعالى عنهما وتوبته عليهما؛ فقد التاث البرنامج الوراثي لهما، وبما يعني أن من ذريتهما مَن سيكون ملتاثاً متضرراً بلوثةٍ قد تتجلى بكيفيةٍ لا يمكن القبول بها في مكانٍ كالجنة التي كان آدم وحواء فيها. إذاً فعِلّة الإخراج من الجنة، والإرجاع إلى الأرض، هي هذه الذرية التي لم يكن ليُسمح أن يصدر عنها ما كان سيصدر لاحقاً من إفسادٍ في الأرض وسفكٍ للدماء في جنةٍ كلُّ من فيها وما فيها متناغم مع بعضه البعض دون علوٍّ ولا طغيان.
