بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
ما قصة الهدهد الذي ذكرته سورة النمل؟ لقد حيَّرني هذا الهدهد ما يقرب من أربعين عاماً. فكيف لهذا الحيوان أن يكون على كل هذا العقل الذي أفصحت عنه الآيات الكريمة من سورة النمل التي فصَّلت قصتَه مع سيدنا سليمان عليه السلام (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ(20)لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ(21)فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ(23)وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ(24)أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ(25)اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ(26)قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ(28)قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ(29)إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(30)أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)).
بكل تأكيد لا يمكن على الإطلاق القبول بأن الهدهد الذي نعرفه هو كهذا الهدهد السليماني. فهدهد سليمان عليه السلام هو الهدهد الذي نعرفه من بعد أن تدخَّل اللهُ تعالى فصيَّر دماغَه عقلاً لا يختلف في شيءٍ عن عقل الإنسان ذكاءً وفطنةً ومنطقاً. وهذا التصيير الإلهي لمادة دماغ الهدهد جعله كائناً فريداً إذ كان بمقدوره أن يفيدَ من كونه يتميَّز بصفات الهدهد المعروفة، ويمتاز في الوقت عينه بما يعود عليه كونه قد أصبح دماغُه عاقلاً كما هو عقل الإنسان. وهذا التصيير الإلهي لدماغ الهدهد عقلاً مطابقاً للعقل الإنساني ليضرب عرض الحائط بكل ما نعرفه من العلوم التي ستُجمِع كلها جميعاً على الاستحالة المطلقة لهكذا تصيُّر يصبح بموجبه للهدهد عقلُ إنسان! إلا أن اللهَ الذي سبق وأن صيَّر عصا موسى عليه السلام، وهي المادة الميتة بايولوجياً، حيةً تسعى، ليس ليُعجِزه هذا الذي تجلى بتصييره دماغَ الهدهد يعقل ما يعقله عقل الإنسان. وهذا التصيير الإلهي قد جعل الهدهد السليماني ذا نفعٍ استخباراتي لسيدنا سليمان عليه السلام الذي لم يكن بمقدوره أن يعلم ما كان بمقدور هدهده أن يعلمه. ولقد كنتُ ذكرتُ في منشورٍ سابق أن الطير قد وظَّفه الله تعالى ليخدم في جيش سيدنا سليمان عليه السلام، وأن هذا التوظيف هو الذي استدعى أن يُعلَّمَ سيدنا سليمان عليه السلام منطقَه حتى يفيدَ مما كان بمقدوره القيام به.
إن هذا التصيير الإلهي للدماغ الحيواني دماغاً يفكِّر ويعقل كما دماغ الإنسان، قد وردَ بشأنه مثالٌ آخر في ذات السورة (سورة النمل)، وذلك عندما أشارت هذه السورة إلى الدابة التي سيُخرجها اللهُ تعالى آخر الزمان لتكلِّم الناس (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُون (82)). وقدرة هذه الدابة على مكالمة الناس، دليلٌ على أن لها دماغاً يعقِل كما يعقل عقل الإنسان. وبذلك تكون هذه الدابة دليلٌ آخر على أن علمَنا، الذي نفرح به ونفاخر، ليس له أن يحكم فيجعلنا مُلزمين بما يقول به من جواز حدوث الأمور أو استحالته. إن هدهد سليمان ودابة الأرض ليشهدان بصوابِ ما سبق وأن وصف حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم به هذا القرآن بقوله عنه إنه كتابٌ لا تنقضي عجائبُه. فهذا الكتاب العجيب قد علَّمنا أن العقلَ الإنساني لا ينبغي له بالضرورة أن يكونَ نتاجَ دماغ الإنسان وفق ما تقضي به البايولوجيا التطورية.
