بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
وردت كلمة “جمال” في القرآن الكريم مرة واحدة، وذلك في سورة النحل (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ(6)). وإنه لأمر ذو دلالة أن تكون المرة الوحيدة التي ذكر فيها الجمال في القرآن العظيم هي في سياق الحديث عن الأنعام التي أنعم اللهُ تعالى بها على بني آدم. وإذا ما أنت تدبرت هذه الآية الكريمة، فبوسعك أن تتبيّن فيها هذا الذي يريدنا الله تعالى أن نتذكره به كلما وقعت أعيننا عليه ونحن نرفل في نعماء وثير الفرش ودافئه، وكلما سرحنا بالخراف والماعز ونحن ننظر إلى ما حباها اللهُ تعالى به من جمالٍ. وهذا الجمال قد بثَّه الله تعالى فيما حوالينا وجعل للحيوان النصيبَ الأكبر منه. وهذا جلي واضح عند تدبرنا الآيتين الكريمتين التاليتين: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ(7)وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(8)). فأنواع الحيوان التي ذكرَتْها الآيتان الكريمتان منها ما هو معروف، ومنها ما لا يعرفه إلا اللهُ تعالى. إلا أن القاسم المشترك بين أنواع الحيوان التي نعرف، وتلك التي لا نعرف، هو جمالها الذي ميَّزها الله تعالى به. إن ما ينبغي علينا أن نتذكره فلا ننساه هو أن الحيوان قد جعله الله تذكرةً لنا بعظيم فضله تعالى علينا، وأن هذا الفضل لا ينبغي أن نحصره فيما تواضعنا عليه بسببٍ من نظرتنا المعوجة إلى ما يحيطُ بنا، حيث نصنِّفه إلى ما هو مفيدٌ لنا، لنفيد منه ونستغله، وما هو غير ذلك فلا يعني لنا شيئاً. فالحيوان جعله الله تعالى ذا نفعٍ لنا، ولكن الله تعالى لم يقصر ما بوسعنا أن ننتفع به من الحيوان على خدمته لنا، إذ أرادنا الله تعالى أن ندرك أن هناك أبعاداً أخرى تتجاوز النظرة النفعية هذه إلى الوجود. ومن بين أبرز هذه الأبعاد البُعد الجمالي الذي ينبغي أن لا يفوتنا إدراكُه في خضم انشغالنا بكنز المال وإنفاقه على ما نحرص على المفاخرةِ به والتباهي.
إن القلب الذي أدمن على الانصراف عن كل ما هو جميل، وعلى الانشغال بتأمل الذات وما انطوت عليه من قبيح صفات، لا يمكن له أن يكون القلب الذي ينبغي عليك أن تحرص على أن يكون قلبك. فهذا القلب الذي لا يحرِّكه الجمال هو قلبٌ متحجِّر متصخِّر قاسٍ لا يمكن لك أن ترتجي منه أن يطمئن بذكر الله تعالى.
إن عالم الحيوان هو عالمٌ إن أنتَ استنطقتَه بقلبٍ يطمئن بذكر الله تعالى، فله أن ينطق بكل ما من شأنه أن يذكرك على الدوام بأن خالقك وخالقه هو الله الواحد الأحد الذي جعل هذا العالم مرتعاً تُريحُ فيه قلبَك من وعثاء سفرك في عالم البشر الذين ظن واحدهم أنه الإله الذي عليك أن تشاركه العبودية له والتعبُّد في محرابه!
فلله تعالى الحمدُ على ما منَّ به علينا من نعمة جمال عالم الحيوان ليكون بوسعنا أن نلتجئ إليه هرباً من قبيح عالم الإنسان.
