القِسط… العدلُ المشوبُ برحمة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يظن كثيرٌ منا أن القسط والعدل كلمتان مترادفتان متطابقتان في المعنى وإن اختلفتا في المبنى. وهذا ما بوسعك أن تقولَ به إذا ما كنت تتحدث عربيةً غير عربية القرآن التي سبق وأن ذكرتُ في أكثر من منشور أنها عربيةٌ تُميِّز هذا الكتاب الإلهي فتجعلك مطالَباً أن تقرأه بها لا بغيرها عربيةً، وذلك حتى تُحسن تدبُّرَه فتفقهه بإتقان. فالعدلُ هو القدْر، وذلك كما تبيِّنه جلياً الكلمات القرآنية (عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا) من الآية الكريمة 95 من سورة المائدة، أي “بقدْر ذلك صياما”.

وأحسنواوالعدلُ هو أقل ما ينبغي عليك أن تتعامل به مع الآخرين؛ فلا يقبل منك ما دونه تعاملاً. ولذلك فإن الله إذ فرض العدل منهاجاً لتستقيم عليه وبه الحياة الدنيا، فإنه تعالى لم يجعله منتهى ما بالإمكان أن تكون عليه التعاملات ما بين بني آدم. فقد أبان القرآن العظيم عن القسط باعتباره السلوك الذي ينبغي أن يتحلى به من أراد أن يكون ممن يحبهم الله تعالى، وذلك لأن القسط فيه من الإحسان ما يجعلك تخالف عن أمر نفسك، وما يجرُّك إليه هواك، فتكون به من المحسنين الذين يتصف تعاملهم مع الآخرين بما يرقى فوق العدل منهاجاً يتكفل بالدفع بهم على طريق الله بقوةٍ ترقى بهم إلى مراتب ليس باليسير الوصول إليها من دون هذا الإحسان.

تذكر أن الله تعالى لم يأمر بالعدل من دون أن يُتبعه بالإحسان. فما يريدنا الله تعالى أن نحرص على أن يكون منهاج تعاملنا مع الآخرين هو هذا العدل المشوب بالرحمة. فهو إذاً العدل الرحيم الذي يفوحُ بالإحسان الذي يجعلك من المحسنين الذين يحبهم الله تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (من 90 النحل). وهذا هو عينُ ما يعامل به الله عباده المحسنين؛ فهو تعالى لا يعاملهم بعدله، هذا العدل الذي ليس لمن يكفر بالرحمن أن يرجو غيره معاملةً من لدنه تعالى، ولكنه يعاملهم بالقسط، أي بالعدل الرحيم، العدل الذي تشوبه رحمة الله تعالى التي تكون به الحسنةُ بعشرة أمثالها، والتي تتجلى بأبهى صورة في الآية الكريمة 261 من سورة البقرة (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).

أضف تعليق