بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
للتصوف قولٌ فصلٌ في تعدد الزوجات، وما ذاك إلا لأن التصوف هو الإسلامُ النقي الصافي بلا زيادةٍ أو نقصان. ولأن التصوف كذلك، فلن يكون بمقدوره أبداً أن يلفَّ ويدور ويحتال ويسمّي الأشياء بغير مسمياتها فيتنطَّع ويتعسَّف ويتعدى بذلك حدود الله تعالى. فتعدد الزوجات شرعةٌ أقرَّها الله تعالى في قرآنه العظيم (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) (3 النساء). ولأن تعدد الزوجات شِرعةٌ أقرَّها اللهُ، فلا ينبغي لنا أن نتوسَّل رضا أعدائه تعالى فنحكم على ما أقرَّه الله تعالى بأنه ما أُقِرَّ إلا لأن ذاك الزمان ليس كزماننا هذا، وأن السياق التاريخي قد تغيَّر فأصبحنا نعيشُ في عصرٍ يوجِب علينا أن نُعيد تفسير النَّص القرآني، وبما يجعل منه مقبولاً من قِبل “الآخر الذي يتربَّص بنا ويتمناها فرصةً سانحةً ليهاجمنا فيُجهِز علينا”!
إن لله تعالى حدوداً بيَّنها جليةً واضحةً قرآنُهُ العظيم. وهذه الحدود لا ينبغي لنا أن نعيد رسمها لهذا السبب أو ذاك مما له علاقة بمحاولاتنا الدؤوبة لجعل “الآخر” يرضى عنا. الحقُّ حقٌّ ولو كان للآخر رأي آخر! فتعدد الزوجات حق وهو شِرعةٌ أضحت إلهيةً بعدما أقرَّها اللهُ تعالى في قرآنه العظيم. إلا أن هذا لا يعني على الإطلاق أننا مطالَبون بجعل هذه الشرعة الإلهية تتماشى مع نزوات وأهواء كثيرٍ من الرجال فيكون لهم ما يريدون من تعديد زوجات مادام في هذا إخلالٌ بالصالح العام كما يتجلى في الخراب الذي عادةً ما يؤول إليه أمرُ ما سبق الزيجةَ الجديدة من زواج أو زواجات.
إن تعدد الزوجات شرعةٌ صالحةٌ إلى يوم القيامة، ولا ينبغي أن نحدِّدها بعصر حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فنقول إن زماننا له من الخصوصية ما يجعل من هكذا شرعة تخالف عنها وتؤدي بنا بالتالي إلى العيش خارجَ العصر. الفيصلُ هنا هو أن لا يكون الأمر متروكاً لهوى الرجل، ولكن أن يتم من بعدِ دراسةٍ شاملةٍ مستوفية يُغلَّب فيها الصالح العام ويُستبعد كلُّ ما هو ذو صلةٍ بما يمكن أن يُشخَّص من رغبةٍ في الزواج بأخرى ذات صلة بالتفاخر والتكاثر والتباهي، مادامت هذه هي الدوافع التي عادةً ما تقف وراء إقدام الرجل على تعديد الزوجات.
والخلاصة: لا يمكن لنا أن نُعيد تفسير النص القرآني ليتفق مع ما يريده “الآخر”. ولا يمكن لنا أن “نحرم” الرجل “حقَّه” في الزواج بأخرى، إلا أن أي زواجٍ بأخرى ينبغي أن يكون محققاً لكثير من الشروط التي لا يمكن التساهل في أيٍّ منها، وذلك لضمان الحقوق والواجبات، على أن يكون جلياً واضحاً أن هذا الزمان يتطلب منا التمهُّل والتأني قبل أن نوافق الرجل على ما يريد، مادامت هذه الإرادة في الغالب الأعم ليست بالحكيمة فتؤتمَن، ولا بالرشيدة فيُمَكَّن لها.
