بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يفاخرُ الإنسان بعالمه الذي توهَّم أنه أفضل العوالم الممكنة والمتحققة! وهو إذ يفاخرُ بعالمه هذا، فما ذاك إلا لأنه ينظر إليه فيرى فيه الدليلَ والبرهان على أنه كائنٌ فريدٌ متفردٌ أعجوبة، وإلا فكيف تسنى له أن يضيفَ كل هذه الإنجازات والمبتكرات والصنائع التي ليس لأحدٍ غيره أن يفاخر بها؟
إلا أن نظرة الإنسان إلى دنياه التي صنعها لتكون مرآةَ ما جُبل عليه من غرورٍ وحرصٍ على كنز المال والتفاخرِ به وبما يُمكِّنه هذا المال من اقتنائه من أسبابٍ للتباهي والتفاخر، قد أسكرته فلم يعُد بمقدوره أن ينظرَ إلى عالمٍ آخر غير عالمه الملتاث به وبما جُبِل عليه. فلو أنه لم يكن مهووساً بعالمه، لما فاته أن يُدرك أن عالمَه هذا عالمٌ قد نفضَ اللهُ تعالى يدَه منه، وذلك بالمقارنة مع عالم الطبيعة، التي إن هو نظر إليها بعينين غير حسيرتَين لوجدها تنطق بما لها من تميُّزٍ وتفرُّدٍ إذ أنها مجالُ عمل يد الله تعالى.
إن نظرةً متدبِّرةً في واقع حال الإنسان لابد وأن تخلص إلى أن هذا الإنسان لا يمكن أن يكون كالنبات والحيوان اللذين تكفَّل الله تعالى بتسيير أمور حياتهما حتى كانت الطبيعةُ بحيوانها ونباتها آيةً من آياته تعالى تشيرُ إلى وجوب وجوده إن أنتَ نظرتَ إليها بعينِ التدبُّر الحكيم. فهذا الإنسان عالمُهُ دليلٌ وبرهان على أنه بعيدٌ البُعد كله عن أن يكون صنيعةَ يدِ الله تعالى. فالغالبُ على عالم الإنسان هو ما تراه من صنيعِ يد الإنسان: ظلماً وجوراً واستعباداً وفساداً في البر والبحر والسماء وتقتيلاً وتشريداً وما إلى ذلك مما تعرف.
إذاً فلا مجال للمقارنة ما بين العالمين، عالم الطبيعة الذي هو عالم الله تعالى، عالم التناغم والتناسق والانسجام والتجانس والتعايش العادل الرحيم ما بين مفرداته كلها جميعاً، وعالم الإنسان المتفجِّر ظلماً وعدواناً وإجراماً واستعباداً. فما الذي جرى فجعل من عالم الإنسان عالماً بلا إله، وذلك مقارنةً بعالم الطبيعة الذي هو عالمٌ ما كان له أن يكون بهذه الروعة وبهذا الكمال لولا أنه عالمُ الله؟
إن الإجابة على هذا السؤال، وغيره من الأسئلة ذات الصلة، لنا أن نقع عليها كلها جميعاً بتدبُّرنا الآية الكريمة 72 من سورة الأحزاب (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا). فما هي هذه الأمانة التي حملها الإنسانُ ظلماً وجهلا؟ وكيف يكون حمل الإنسان هذه الأمانة السبب فيما آل إليه عالمُه من اتصافٍ بكل ما سبق وصفه أعلاه؟
لقد عرض الله تعالى الأمانةَ على الطبيعة، فأبت أن تحملها وأشفقت منها. وكيف لها ألا تفعل ذلك وحملُها الأمانة كان ليتطلبَ منها أن تتسلَّم مهام ربوبيتها بنفسها، وبالمعنى الذي تكون فيه هي المسؤولة عن تسيير أمورها دون حاجةٍ إلى التقيُّد والانضباط بالبرنامج الإلهي الذي صممه اللهُ تعالى لتسير منضبطةً به، وبالمعنى الذي تكون الطبيعةُ فيه مؤتمَنةً على هذه الربوبية فلا تطالها بيد التغيير والتعديل وفقما يشاءُ لها هواها. لقد أدركت الطبيعةُ أنها لا يمكنها أن تؤتمَن على أمانة الربوبية فتتقيد بعدم المَس بما ائتمنَت عليه فكان أن أبت أن تحملها أمانة. أما الإنسان، فقد تعهد بما لم يكن بمقدوره أن يفي به لاحقاً، وذلك عندما تسلّم الأمانةَ وأقسم أن لا تمتد إليها يده بالتغيير والتعديل، وتعهد بأن يُرجعها إلى الله تعالى كما استلمها دون زيادةٍ أو نقصان، فما كان منه إلا أن نكث وأخلَّ بالعهد والقسم وامتدت يده إلى الأمانة ففرَّط فيها تبديلاً وتغييراً وتعديلاً وفقما شاء له هواه وأمرت به نفسه، فكان ما كان، وأصبح عالم الإنسان البرهان على أنه ظلومٌ جهول إذ لم يرعَ الأمانةَ وخان من ائتمنه، فعادَ عليه هذا بالشقاء والعذاب في الدنيا والآخرة.
وبعد هذا كله يجادل الإنسان بأن عالمه أفضل العوالم الممكنة، وأفضل من أي عالمٍ متحقق على أرض الواقع!
