زمزم.. ماء الله الذي لم ينفد

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

للهِ ماءٌ لا يخضع ظهوره لسلسلة السبب-النتيجة. والماءُ الإلهي هذا يُجريه اللهُ تعالى لمن يشاء معجزةً وكرامة. وبوسعنا أن نتدبر القرآن العظيم لنتبيَّن أمثلة على ماء الله تعالى هذا:

(ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) (42 ص)، (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) (24-26 مريم)، (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) (50 المؤمنون)، (وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) (60 البقرة).

بئر زمزمإن ما ينبغي علينا أن نتبيَّنه بشأن هذا الماء الإلهي هو أن علمنا، الذي نفاخر به فرحين، ليس بوسعه أن يعلِّل له فيفسِّر ظهوره المعجز هذا. ولمن يريدُ أن يتنطَّع ظناً منه أنه قادرٌ على إيرادِ تعليلٍ علمي يفسِّر به ماء الله هذا، أقول: إن الله تعالى له أن يخلق ما يشاء دون أن يضطر إلى أسبابنا يتوسَّلها ليجعل الخلق متحققاً. تذكر “ناقة الله” التي خلقها الله تعالى دون أي ماضٍ بايولوجي. فماء الله هو كـ “ناقة الله”، كلاهما خلقه الله تعالى بكلمة “كن”. وهذا النوع من الخلق ليس لنا أن نعمل فيه فِكرنا لنصوغ كيفيةً له وفق ما جُبلت عليه عقولُنا من التعليل للأحداث والوقائع متذرعين بالأسباب والذرائع التي تكفي عادةً للتعليل لما يحدث في عالمنا.

إن هذا القرآن كتابُ تعليمٍ رباني، ينبغي على متدبِّره أن يقاربَه متعبداً لله تعالى بنيَّة التعلُّم والتطبيق. ومما ينبغي لنا أن نتعلمه بهذا القرآن العظيم أن هناك في عالمنا أموراً لا ينبغي لنا أن نسارع إلى تفسيرها بما تسنى لنا الوقوع عليه من علمٍ صاغته ظواهر وأحداثٌ سبقت فنظنُّ أن كل أموره بوسعنا التعليل لها بهذا العلم. الأصل في العبادة أن يكون المعبود هو المقصود لا أي شيء آخر. وهذا العالم الذي نعيش فيه هو مثلنا، عبدٌ لمعبودنا. لذلك فليس من العبادة أن نقارب العالم بنيَّة التعليل لوقائعه وأحداثه بما تسنى لنا الوقوع عليه من سابق علمٍ ومعرفة، وبما يجعلنا نتوهَّم أن كل ما يحدث في هذا العالم لا يستعصي على “عِلمنا الشامل المحيط”. لقد حفل القرآن العظيم بالكثير من الإشارات التي بوسعك أن تهتدي بها لتعلم أن عالمك الذي تعيش فيه هو عالمُ الله قبل أن يكون عالمك، وأن إحاطتك المعرفية به لا ينبغي أن توقعك في الظن الواهم بأن بوسعك أن تتسيَّده تعليلاً وتفسيراً! وهذا مما بوسعنا أن نتعلمه من المعجزات التي يحفل بها قرآن الله العظيم. فهذه المعجزات تعلِّمنا أن نتأدب في حضرة الله تعالى، إذ نعيشُ في العالم الذي هو عالمه قبل أن يكون عالمنا، فلا نتوهم ما ليس لنا فنظن أن بمقدورنا أن نعرف ما يحدث فيه على وجه الحقيقة. فنحن لم يخلقنا الله تعالى لنعرف العالم مادمنا قد خُلقنا لعبادته تعالى وليس لشيء آخر.

هذه أفكارٌ تداعت وأنا أتأمل في ماءٍ لله تعالى ما زال يتدفق منذ آلاف السنين إكراماً لسيدنا إبراهيم عليه السلام زمزماً مباركاً إلى يوم الدين.

أضف تعليق