بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
حيَّرت الأحرف المقطَعة التي تبتدئ بها بعض السور القرآنية دارسي كتاب الله المجيد. ولقد جاءنا كثيرٌ من التأويلات، غير أن قولاً فصلاً بشأن دلالات هذه الأحرف لا يبدو أنه مقدَّرٌ لنا أن نحيط به علماً. وليس في هذا ما يقدح في نص القرآن العظيم، إذ ليس من الضروري لفقه الرسالة القرآنية المجيدة أن نقع على ما هو تأويل هذه الأحرف المباركة. يكفينا أن نكون مستيقنين أن لهذه الأحرف أسراراً إلهية اللهُ أعلم بها. وهذه الأحرف عندي مدعاةٌ للتواضع في حضرة قرآن الله الذي لا ينبغي أن نظن أن من المقدَّر لنا أن نقع على أسراره كلها جميعاً. فهو كتابٌ يكفينا في وصفه ما أخبرنا بشأنه حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عندما قال عنه إنه “كتابٌ لا تنقضي عجائبُه”. والأسرار القرآنية بعدُ هي من أسرار الله تعالى التي لا ينبغي لنا أن نتوهم أن بوسعنا أن نحيط بها علماً؛ فالأسرار الإلهية أسرارٌ مقدسة منها ما قد تُكشف لمن يشاء الله تعالى من عباده المقرَّبين، ومنها ما يبقى سراً مكنوناً وغيباً غير مشهود.
والقرآن العظيم حافلٌ بالكثير من الأسرار الإلهية غير أحرفه المقطَّعة هذه. فنحنُ لا نعلم لماذا كانت الآيات البيِّنات التي أيَّد اللهُ بها سيدنا موسى عليه السلام تسعاً وليس أقل ولا أكثر، ولماذا سخر اللهُ الريحَ صرصراً عاتية على قومِ سيدنا هود عليه السلام سبعَ ليالٍ وثمانية أيام، ولماذا كان لجهنم سبعةُ أبواب وليس ثمانية، ولماذا خلقَ اللهُ من السموات سبعاً ومن الأرض مثلهن. وبإمكانك أن تُعِد قائمةً بأسرارٍ أخرى كثيرة انطوى عليها قرآن الله العظيم ليس لنا أن نخوض فيها فنجزم بشأنها شيئاً. إن أسرار القرآن من أسرار الله، وهذه حقيقةٌ علينا أن نضعها نصب أعيننا ونحن نتدبَّر الآيات القرآنية الكريمة حتى لا نسارع إلى تأويلها وبما لا يتفق مع ما قُدِّر لها أن تبقى عليه سراً مصوناً لم يُقدَّر لنا أن نعرف كنهه.
إن الأصلَ في العبادة ممارستها وليس معرفتها. وهذه حقيقةٌ ينبغي أن نهتدي بها ونحن نتدبر القرآن العظيم مستيقنين أنَّ ما ينبغي لنا أن نعرفه منه لنعمل به لن يكون عسيراً علينا أن نقع عليه بحذافيره، وأن ما ليس مقدَّراً لنا أن نعرفه منه إنما حُجبت عنا الطريق إلى معرفته لا لشيء إلا لأن الله تعالى قد كفانا بما يسَّر لنا الوقوع عليه من قرآنه العظيم أن يكون فيه ما هو كفيلٌ بوصولنا إلى مبتغانا الذي خُلقنا لنعمل على تحقيقه.
يكفي العابد أن يعلم أن معبوده لم يكن ليدَعَ ما ينبغي عليه أن يعرفه عسيراً عليه فلا يقع عليه، وأن ما حجبه عنه كان ابتلاءً له ليعلم أيصبر أم يكفر. فالإنسان مجبولٌ على تفسير وتأويل كل غامضٍ يعترضه، وهذا ما لا ينبغي أن يكون عليه الإنسان العابد، إذ أن جوهر العبادة هو التسليم للمعبود وإيكال الأمر إليه فلا تشك بعدها في رحيم حكمته ولا حكيم رحمته.
