بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
علّمنا حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن الجهاد في سبيل الله جهادٌ أصغر يقاتَل فيه العدو المقاتِل، وجهادٌ أكبر تُجاهَد فيه النفس. وبسببٍ من ماضينا المتخم بالانحرافات، والمترَع بالحيود عن جادة الحق المحمدي، فلقد اختلَّ كثيرٌ مما كان على عهده صلى الله تعالى عليه وسلم متوازناً أدق التوازن متزناً دون أية شائبةٍ من تقلقُلٍ أو تصدُّع. والجهاد الأصغر هو من بين ما تحلحلَ فتخلخل، فانقلب رأساً على عقب، فما عادَ من بعده صلى الله تعالى عليه وسلم كما كان إذ شرعت في مخالطته شوائبٌ من هذا الذي جُبلت عليه النفوس فكان أن اختلطت به فشاهته وشوَّهته. وهكذا توارث الخلَف ما أفسده السلف فكانت النتيجة هي ما نرى من إفسادٍ في الأرض يوصَف بالجهاد وما هو من الجهاد في شيء. إذ لا جهاد في سبيل الله دون أن يكون المجاهد قد تمكن قبله من نفسه حتى لا يلتاث هذا الجهاد فلا يكون كما أراده الله أن يكون خالصاً لوجهه تعالى دون أن تشوبه أية شائبةٍ هي الدليل والبرهان على تمكُّن النفس من صاحبها لا العكس.
إن الأصل في الجهاد أن يكون تسلسلُه منطقياً يبتدئ بمجاهدة النفس، وذلك بحملها على ما تكره وقسرها على ما لا تحب واضطرارها إلى ما يتناقض مع ما جُبلت عليه من أنفة وغرورٍ وتكبر وغطرسةٍ وحبٍّ للتفاخر والتكاثر والرياسة. ومن بعد تمكُّن المجاهد من نفسه، وبما يجعل له سلطاناً عليها فلا يكون بمقدورها أن تُملي عليه أوامرها، يؤذن له بالانتقال إلى مرحلةٍ جديدة من مجاهدة هذه النفس، وذلك بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعوةً إلى الله تعالى بالكلم الطيب والعمل الصالح والأحوال الربانية المجيدة. ولأن الدنيا لا تخلو من الشر والأشرار، فقد يكون هناك من البشر من لا يرضى بأن يتعايش مع غيره من البشر وفق شرعة العدل وما تواضع عليه حكماء بني آدم، فتسوِّل له نفسُه العدوان الظالم على الآخرين فتنشب جراء ذلك الحرب. وهنا يكون الجهاد الأصغر دفعاً للمعتدين ودفاعاً عن الحمى وليس شيئاً آخر.
إلا أن ما يجب أن يؤخذ هنا بنظر الاعتبار أن هذا التسلسل المنطقي لمشروع الجهاد في الإسلام، بدءاً من جهاد النفس ثم جهاد الدعوة إلى الله تعالى ثم مقاتلة المعتدين، قد انفرط عقده على يد مَن افترضوا لأنفسهم الوصاية على ديننا ودنيانا من رجال دين شرعوا بتشييع القتل والعدوان الظالم على الآخر بحجة أن هذا هو ما يعنيه الجهاد، فأخلُّوا بواحدٍ من أهم ضوابطه ألا وهو تسلسله المنطقي هذا. إن الجهاد، حتى يكون جهاداً، لا يمكن أن يأتي إلا متسلسلاً، وذلك وفق ما تقدم، وإلا فهو عدوان ظالم يودي بصاحبه إلى جهنم وبئس المصير. ولكن هذا هو الذي حدث فجعل الدنيا على ما نرى حيصَ بَيص.
إن الحل لتخليص الدنيا من كثيرٍ من شرِّها، الذي جاء به كثيرٌ من بشرها الذين يقولون إنهم مسلمون، يكون بالعودة من جديد إلى التسلسل المنطقي المذكور أعلاه، والذي يوجب علينا أن نعي وندرك جيداً أن لا جهاد أصغر في الإسلام في ظل انعدام الجهاد الأكبر، ومادام واحدنا يستسهل العدوان الظالم على الآخر عوض أن يبادر إلى نفسه ليحملها على ما ينبغي أن تكون عليه خضوعاً لله وطاعةً له تعالى دون أن يكون لنفسه هذه أن تنبس ببنت شفة.

قام بإعادة تدوين هذه على إتحاد القوى الصوفية وأضاف التعليق:
متى ستعلم ألا جهادَ أصغر في ظل غياب الجهاد الأكبر
إعجابإعجاب