بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لعل أبرز ما يميِّز العقل البشري هو هذا الإصرار منه على عدم الاكتفاء بوصف الوقائع والأحداث، وعلى عدم تقبُّل الواقع على ما هو عليه. وكان من أبرز النتائج التي تمخَّض عنها قلقه المعرفي هذا، أن شرع هذا العقل، المفتون بذاته، بتأويل وتفسير هذه الأحداث والوقائع، وبما جعله مضطراً إلى افتراض وجود كيانات وكينونات، وذلك ليتسنى له نسْج تصوُّر منطقي يكون به الواقع من حوله مفهوماً ومعقولاً. فالعقل البشري ليس بمقدوره أن يكتفي بالكائنات والمكونات ليكون بوسعه أن ينسج منها تصوراً يعينه على فقه واقعه، فكان هذا ما جعل منه مضطراً إلى تخيُّل ما ليس له وجودٌ من هذه الكيانات والكينونات.
إن دراسةً متأنيةً لنشوء وتطور وارتقاء المنظومة المعرفية البشرية كفيلةٌ بجعلنا نستيقن من هذا الذي يتميَّز به عقل الإنسان مقارنةً بعقل الحيوان الذي لا قدرةَ له على مقاربة واقعه بالافتراض والتخمين والتنظير والتخيُّل. وهذا الذي تفرَّد به العقل الإنساني، من عدم مقدرةٍ على تقبُّل الواقع والاكتفاء بوصفه دون الولوغ في غياهب التنظير والتعليل والتفسير، لنا أن نرجعه إلى خلل في دماغ الإنسان أدى إلى الإخلال بالتوازن الذي كان قائماً عند أسلافه الأوائل بين الواقع والعقل الحيواني الذي نشأ في تناغمٍ تفاعلي ما كان ليضطر الحيوان إلى اللجوء إلى ما يتجاوز الوصف فينغمس في هدرٍ وإسرافٍ وتبذير لا طائل من ورائه، تفسيراً وتنظيراً لما يحدث في واقعه ومحيطه وبيئته. إن ما ينبغي أن يظل ماثلاً للعيان هنا هو أن الطبيعةَ لم يخلقها اللهُ تعالى لتبذر وتسرف وتهدر. فكل فعلٍ في الطبيعة موزون ومنضبط وفق القانون الإلهي المنظِّم لما يحدث فيها. وهذا القانون هو قانون الاقتصاد في الطبيعة، الذي يحتِّم على الحيوان وجوب الاقتصاد في الصرف فلا ينفق إلا ما هو ضروري من الطاقة البايولوجية الثمينة. وبذلك فليس هناك من هدرٍ في الطبيعة ليكون بالتالي لعقل الحيوان أن يسرف على عمليات عقلية مثل التخيُّل والتخمين والافتراض والتنظير والتفسير. وحده الإنسان، المدمن على الإسراف والمجبول على التبذير، تفرَّد بهذه اللامبالاة إزاء ما يتوجب عليه التقيُّد به والحرص عليه من لزوم التوافق مع برنامج الطبيعة القاضي بالتقنين والتقدير دون إسرافٍ أو تقتير.
إن هذا الذي تجلى في التاريخ المعرفي للإنسان، من ولعٍ بالتعليل لما يحدث وعدم الاكتفاء بوصفه، بالإمكان أن نرجعه إلى عدم قدرة الإنسان على التقيُّد ببرنامج الطبيعة الاقتصادي هذا. فالطبيعة لم تُخلق لتمنح أفرادها رفاهية التنظير والتفسير في عالمٍ يتطلب فيه البقاء والانتشار أن تكون مقتصداً في التصرف والصرف. لذلك كان ما تميَّز به الإنسان من ولع بالتنظير والتعليل هو واحدٌ من أقوى الأدلة والبراهين على أن شيئاً ما قد حدث للإنسان خلال مسيرته التطورية فأدى به إلى الحيود عن المسار الطبيعي منحرفاً إلى وهادٍ ما سبقه إليها أحدٌ من أسلافه الأوائل.
إذاً فالطبيعي أن يكتفي عقل الإنسان بما صُمِّم عقلُ أسلافه الأوائل للقيام به دون أن يضيف إلى منظومة العقل ما هو كفيلٌ بإقلاقها وإرباكها، وبما سيتجلى نظرياتٍ وموديلاتٍ تفسيرية تضطر هذه المنظومة إلى إبداعها تنفيساً عن هذا الذي تسبب به هذا الإقلاق. ولكن أنى للإنسان أن يكون طبيعياً حتى يفارقه هوسه بالتنظير والتفسير؟! فغير الطبيعي في الإنسان أكثر مما هو طبيعي فيه. وغير الطبيعي فيه هو هذا الذي يجعله غير قادر على تقبُّل الواقع وقبوله بالوصف دون أن يخالط هذا الوصف شوائب التنظير والتفسير.
إن هذا النأي عن الطبيعي قد تسبب في وقوع الإنسان لا على ما يظن ويتوهم بأنه الحقيقة، ولكن على كل ما كان من شأنه أن يغذي عنده الشعور الزائف بالتفوق والتفرد؛ هذا الشعور الذي أبعده عن الحقيقة التي كان ينشد، والذي جعله بارعاً في إبداع كل ما هو ليس بحقيقي، وإلى البقاء أسيرَ عالمٍ خيالي لا علاقة له على الإطلاق بعالم الواقع، ناهيك عن عالم الحقيقة.
إن ما ينبغي على العلم القيام به ليكون طبيعياً، هو تخلِّيه بالتدريج عن نزعة التنظير والتفسير، والقبول بالواقع وصفاً لوقائعه وظواهره وأحداثه دون أن ينجر إلى ما تدعوه إليه جِبلته العقلية من حرصٍ على اختراع ما ليس بموجود ليعلل ويفسر به ما هو موجود.
