بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
نظنُّ أن عالمنا الواقعي هذا هو العالم الواقعي الوحيد الذي بمستطاع الحقيقة أن تتجلى به لأعيننا. ونتوهم أن علمنا، الذي نفاخر به فرحين، هو الحقيقة التي ليس بعدها حقيقة. غير أن الله تعالى ما كان ليذرنا سادرين في هذا الغي دون أن يُعلِّمنا ما لم نكن نعلم من أمورٍ ذات صلة بالواقع والحقيقة. فواقعنا الذي نظن أن لا واقع آخر هناك غيره، هو مجرد واقع تجسَّد وتحقق جراء تظافر أسبابٍ عدة. ولو كانت تظافرت أسباب أخرى لكان ما تجسَّد جراءها واقعٌ آخر هو أقرب إلى الخيال منه إلى أي شيء آخر. وقد يبدو لغير المتمهِّل المتأني في إطلاق الأحكام أن ما تقدَّم هو مجرد تنظير وأدلجة يُراد منه ما يجعل الشك يساورنا بشأن واقعنا وحقيقته التي توصلنا به إليها.
غير أن هذا هو أبعد الأمور عن الحقيقة. فالواقع الذي أشرتُ إليه بأنه كان ليكون الواقع عوض واقعنا هذا، فيما لو تظافرت الأسباب الكفيلة بجعله يتجسد، هو الواقع الذي لك أن تُركِّبه فتخلقه من مفرداتٍ حفل بها قرآن الله العظيم. فقد جاء في هذا القرآن العظيم من الظواهر المخالفة لمألوف واقعنا ما تستطيع به أن تتصوَّر ما كان ليبدو عليه واقعنا إذا ما قمتَ بتشكيله وخلْقه من هذه الظواهر الخارقة لمألوفاتنا. تصوَّر واقعاً تصير فيه العصا أفعى، وينبجس من صخره ماءٌ بضربة عصا، وتنزل من سمائه مائدةٌ، وينشق بضربة عصا بحرُه فرقين كل فرق كالطود العظيم، وتكون ناره عاجزةً عن أن تحرق من يلقى فيها، ويتجسد فيه عرش ملكة اليمن ماثلاً أمام ناظريك وأنت في فلسطين، وتصول فيه الجن جيئة وذهاباً تصنع الأعاجيب، ويُحيى فيه الموتى، ويُبرأ الأكمه والأبرص، ويُخلق من طينه كهيأة الطير فيُنفخ فيها فتكون طيراً، وتُقطَّع من طيوره فتعود بعدها طيوراً كما كانت، ويحدث فيه كل ما جاء به قرآن الله العظيم من عجيب الأمور وغرائبها. وحتى يكون واقعك الجديد هذا مكتمل الأركان، فلا ضير من أن ترفد ما تقدم بكل ما يمكنك أن تضيفَه من ظواهر خارقة لمألوفات واقعك كما لك أن تقع عليها في المخطوطات والكتب التي وثَّقت لكرامات أولياء الله تعالى. وبوسعك قبل أن تنتهي من نسج هذا الواقع الآخر، أن تكمل فتضيف ما يمكنك أن تتصوَّره من أعمالٍ وأفعال تقوم بها ملائكة الله تعالى لتكتمل بذلك المادة الخام التي لك أن تخلق منها نسخةً جديدةً من الواقع حقيقيةً كحقيقة واقعك الذي تعرف. هل رأيت كيف أن بالإمكان تصور واقعٍ آخر لا علاقة له على الإطلاق بواقعك الذي كنت تظنه التجسد الوحيد لعالم الحقيقة؟!وإذا كان هذا الواقع الآخر هو عالم الأنبياء والأولياء الذين عاشوه واقعاً حقيقياً متجسداً أمام أعينهم، فإنه ليس واقعك مادمتَ لست بنبي ولا ولي. على أن هذا ليس كل ما في الأمر؛ فواقعك الذي كنت تظن أنه الواقع الوحيد الأوحد، هو الواقع الذي نشأ في ظله العلم الذي تظن أن لا علمَ آخر سواه في هذا الوجود.
إلا أنك الآن، وقد أخذ الشك يساورك فشرعتَ تتصوَّر إمكانية لوجود واقع آخر لم تكن تعرف عنه شيئاً هو واقع عالم الأنبياء والأولياء، قد أصبحتَ مؤهلاً لتعرف أن هناك علماً حقيقياً آخر غير علمك الواقعي الذي بين يديك. وهذا العلم الجديد هو العلم الذي لك أن تتصور نشأته وتطوّره واكتماله في ظل الواقع الآخر الذي أفضتُ في الحديث عنه باعتبار أنه عالم الأنبياء والأولياء الذي يتشكَّل ويتخلَّق من مفرداتٍ قوامها المعجزات والكرامات وعجائب الأمور وغرائبها.
إن هذا العلم لابد وأن يكون مناقضاً، بالتمام والكلية، للعلم الذي نشأ في ظل واقعك الذي هو مرآة عالمك الخالي من المعجزات والكرامات مادمت لستَ من الأنبياء ولا الأولياء. وهذا العلم بعدُ، هو علمٌ جديدٌ بكل ما تعنيه الكلمة، وهو علمٌ بإمكاننا أن نسعى للحصول عليه إذا ما تذكرنا أنه علمٌ بوسعنا الوقوع عليه إذا ما كان عالمنا عالم تتجلى فيه الكرامات باعتبار أنها ظل معجزات خاتم النبيين والمرسَلين حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم.
