بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يعلِّمنا القرآن العظيم أن الأنبياء المرسَلين كانوا بشراً من أنفسنا، رجالاً أوحى إليهم الله تعالى وحمَّلهم أمانة تبليغ رسالته الإلهية. وبشرية رسل الله تعالى حقيقةٌ لا مراء فيها. فهم لم يكونوا ملائكةً، وما كانوا جناً. وهذا ما أشار إليه القرآن العظيم في مواطن منه كثيرة، لابد وأنك تتذكر منها: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُون) (11 إبراهيم)، (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) (110 الكهف)، (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) (20 الفرقان)، (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (75 المائدة)، (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (128 التوبة).
إن بشريَّة أنبياء الله المرسَلين هي ما كان يراه فيهم أقوامهم إذ ينظرون إليهم فلا يرون إلا بشراً أشياعهم وأمثالهم يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، وذلك مصداق قوله تعالى (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ) (33-34 المؤمنون). ولكن، هل هذه هي كل حقيقة أنبياء الله المرسَلين؟
لقد تعلَّمنا أن واقع الشيء هو ليس بالضرورة حقيقته. فما يبدو لك أنه حقيقة الشيء قد لا يكون إلا واقعه الذي تمظهر بكيفيةٍ تجعلك تنظر إليه فلا تراهُ إلا بها فتظنُّ حينها أنك وقعتَ على حقيقته وأنت ما تسنى لك الوقوع إلا على ما أُريد لك أن تنظر إليه فتراه! وهذا إن صحَّ في كثيرٍ من أشياء هذه الدنيا، فلابد وأن يكون صحيحاً فيمن اختاره اللهُ تعالى ليكون محلَّ تلقِّي رسالته الإلهية وحياً أو من وراء حجاب أو بأن يرسل إليه رسولاً فيوحي بإذنه تعالى ما يشاء. فأنبياء الله المرسَلون هم بشرٌ يأكلون ويشربون، ولكن قرُبهم من الله تعالى جعلهم يتميَّزون بميّزاتٍ تفرَّدوا بها بسبب من هذه القربى. فلا يُعقل أن يقرِّب الله منه شيئاً أو أحداً من الخلق دون أن يتجلى على المقرَّب من نوره تعالى ما يجعله ذا بُنيةٍ متفردةٍ بهذا الذي كان حظه من هذا النور الإلهي. ونور الله المتجلِّي على من قرَّبه تعالى إليه، سيجعل من هذا الذي كان محل تجلِّي نوره تعالى ليس كأحدٍ من البشر. لذلك فإن أنبياء الله المُرسَلين هم بشرٌ ولكن ليسوا كباقي البشر؛ هم بشرٌ إذ تنظرُ إليهم فتراهم يأكلون ويشربون، وهم ليسوا ببشرٍ لأن ما حلَّ عليهم من نور الله تعالى ما كان ليجعل بشريتهم هي كل ما يُعرِّفهم.
وأنبياء الله المرسَلون، إذ هم محل تجلِّي نور الله تعالى، فإنهم يصبحون ظاهرةً بشريةً فريدة واقعها وظاهرها الإنسان الذي نعرف وحقيقتها وباطنها إنسان آخر لا نعرفه إلا بتحلُّق العجائب والغرائب وخوارق العادات، وغيرها من المعجزات، حواليه. وهذا ما يمكن لنا أن نتبيَّنه في حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم الذي حفلت سيرتُهُ النيِّرة العطرة بكل ما من شأنه أن يجعلنا متيقنين من أن من اختاره الله تعالى ليكون قريباً منه لا يمكن أن يظل على ما نظن فيكون بشراً فحسب. يكفينا أن نتصفح أياً من كتب سيرته صلى الله تعالى عليه وسلم لنتوثق بأنفسنا من حقيقة كونه صلى الله تعالى عليه وسلم ليس كمن نعرف من البشر.
وهنا لابد من أن أشير إلى أن لحضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم واقعاً محمدياً وحقيقةً محمدية. فواقعه صلى الله تعالى عليه وسلم هو كل ما يمكننا أن نعرفه عنه مادام هو بشر كباقي البشر، وحقيقته صلى الله تعالى عليه وسلم هي كل ما حظى به جراء شديد قرباه من الله تعالى. وهذه الحقيقة المحمدية قد بالغ في تصوّرها البعض من المتصوفة فظنوا أنها حقيقته من قبل أن يقرِّبه الله تعالى منه باختياره ليؤدي الرسالة القرآنية. غير أن الأمر خلاف ما يظن هؤلاء؛ إذ أن كل ما هو غير بشري في حقيقة حضرة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ما كان ليكون مخالفاً لما نعرِّف به ما هو بشري لولا هذا التقريب الإلهي له صلى الله تعالى عليه وسلم، وبما تجلّى في تلك المعجزات الباهرات التي ما وصلنا منها إلا ما لا يكفي لمعرفته صلى الله تعالى عليه وسلم على ما هو عليه حقاً وحقيقة.
والخلاصة، إذا كان أنبياء الله المرسَلون هم بشرٌ، فإنهم أيضاً ليسوا ببشر مادام اللهُ تعالى قد اختارهم فقرَّبهم فتجلّى عليهم بما جعل منهم محلاً لتجلِّي نوره الذي ما تجلى على شيء إلا وصيَّره شيئاً آخر مقدساً بقدسية هذا النور.
