بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
لعل العلةَ في ضلال الكثيرين أن واحدهم يفرح بما عنده من العلم فيظن أنه قادرٌ، بهذا الذي قُيِّض له الحصول عليه، على معرفة كل ما ينبغي بشأن هذا أو ذاك من أمور الدنيا والآخرة! وهذا واحدٌ مما جرَّه على الإنسان حيوده عن المسار الطبيعي الذي هو ديدن الطبيعة في تعامل أفرادها مع الحوادث، مألوفها ومستجدها. فعقل الإنسان ميَّالٌ إلى المسارعة إلى إطلاق الأحكام جزافاً دونما تمهُّلٍ ولا تأنٍ توجبهما ضرورة استكمال المعطيات قبل أن يُصار إلى الحكم بيقينٍ قاطع. ولقد فاقم الأمرَ سوءاً أن الإنسان قد ابتُلي بعقلٍ يظن أنه قادرٌ على إكمال ما ينقص المعطيات ظناً وتخميناً. وهكذا ترى الإنسان يظن أنه قد وقع على الحقيقة الكاملة وهو ما تسنى له إلا أن يحيطَ بجانبٍ واحدٍ منها. أنظر إليه كيف يصف الكأس نصف الفارغ! فلو أنه نظر إليها بعقلٍ غير هذا الذي يفاخر به لرآها بنصفَيها دون أن يتحكم فيه مزاجه فيراها تارة نصف مملوءة، إذا كان متفائلاً، وأخرى نصف فارغة، إذا كان متشائماً! وانظر إليه كيف يحكم على الدنيا وأهلها بعينٍ لا ترى الحقيقةَ كاملةً فتراه يسارع إلى كيل الاتهام لله تعالى بالظلم وسوء التدبير، وهو لما يتسنى له أن يُلِمَّ بالقصة بحذافيرها ولا أن يقارب دنياه وأهليها بعين الآخرة ليرى الأمور في نصابها الصحيح مستيقناً أن لا ظلم هناك ولا سوء تدبير! وهكذا لك أن تستحضر ما تشاء من الأمثلة التي لها أن تجعلك واثقاً بأن الغالب الأعم على أحكام الإنسان هو ما يميِّزها فيجعلها مستندةً إلى أنصاف الحقائق. وهذه، وإن كان فيها شيء من الحقيقة، إلا أن هذا النزر، اليسير بالضرورة، لا يمكن له أن يجعلك مطمئناً إلى حكمك إذا ما استندتَ إليه مادام هناك مما غابَ عنك من الحقيقة ما كان ليجعل هذا الحكم مخالفاً لما تظن أنه الحق الذي دونه الباطل.
وكنت قد ذكرت في منشورٍ سابق مثالاً على هذه الحقائق الناقصة، وذلك عندما تحدثتُ عن ما يواظب الكثير على وصف النساء به من نقصِ عقلٍ ودين؛ حيث أن هذه الحقيقة الناقصة بشأن النساء لا يمكن على الإطلاق أن تكون الحقيقة الكاملة التي يظن المنتقصون من النساء أنهم قد وقعوا عليها بهذا الذي يواظبون على وصفهن به. إن مقاربة هذا الحديث الشريف بعقلٍ يدرك ما لأنصاف الحقائق من خطرٍ ساحقٍ ماحق على الحقيقة سوف لن يكون عسيراً عليه أن يتبيَّن أن المقصود بكلماته هو ما يمكنك أن تقع عليه، وذلك بقراءته على النحو التالي: “ومن النساء من هن ناقصات عقلٍ ودين”. وهذا التخريج هو ليس افتراضاً ولا تقوّلاً مادامت الأحاديث الشريفة لغتُها عربيةٌ قرآنية. وكنت قد بيّنت في منشورٍ سابق أن عربية القرآن العظيم توجب عليك أن تقرأ هذا الكتاب المجيد فلا يغيبُ عن بالك وأنت تقرأ أن أنصاف الحقائق هي لك بالمرصاد، وأن القول الفصل بشأن أمرٍ ما لا يمكن لك أن تقع عليه في هذا القرآن إلا من بعد أن تستكمل كل ما جاءك به عنه. ومثال “الأعراب” خيرُ دليلٍ بوسعك أن تحاجج به فتدحض زعم خصمك.
إن عقل الإنسان مجبول على عدم التأني والتمهُّل ريثما تكتمل عنده جوانب الحقيقة كلها جميعاً. ولو أنه تأنى وتمهَّل لتجلَّت له الحقيقةُ كاملةً غير ناقصة. إن الحقيقةَ الناقصة لن تستطيع أن تُكملها بظنٍّ ولا وهم. فالحقيقةُ معدنُها قُدَّ من غيرِ صخر هذا الواقع فلا يمكنك أن تجانس ما بينها وبينه فتُكمل من عندك ما تظن أنه كفيلٌ بجعل الناقص يغدو كاملاً.
الصبرُ مفتاح الفرج، وهذه الحكمة المحمدية صادقةٌ أبداً؛ وأنتَ إن صبرتَ ولم تتعجَّل جاءتك الحقيقةُ إن كنت من طلابها بقلبٍ فقيرٍ إلى ربَّك وربها، وبعقلٍ قد أدرك حدوده فلا يتعداها تجاوزاً على الحق بالظن والوهم.
