بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
“وتحسبُ أنك جرمٌ صغيرٌ … وفيك انطوى العالمُ الأكبرُ”. يُنسب بيت الشعر هذا إلى إبن سينا. وهذا البيت عادةً ما يستشهد به مُعظِّمو الإنسان والمبالغون في وصفه بما ليس هو أهلٌ له. وهؤلاء ما قدروا الإنسان حق قدره إذ لم يقاربوه كما علَّمنا قرآن الله العظيم. فكيف يكون الإنسانُ الذي خُلق ضعيفاً، عظيماً في الوقت عينه؟ لقد فات مُؤلهو الإنسان هؤلاء أن يتذكروا كيف وصف قرآن الله تعالى الإنسان. وسوف أكتفي بإيراد بعضٍ من الأوصاف القرآنية لهذا الإنسان المبالَغ في إعلاء شأنه: (قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) (17 عبس)، (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ) (9 هود)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) (34 إبراهيم)، (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) (4 النحل)، (وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا) (11 الإسراء)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا) (67 الإسراء)، (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا) (83 الإسراء)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) (100 الإسراء)، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا) (54 الكهف)، (وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) (72 الأحزاب)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ) (15 الزخرف)، (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) (المعارج 19-21).
إن الإنسان جُرمٌ صغير، وذلك مقارنةً بالسموات والأرض، فكيف يكون له بالتالي أن يحتويهما؟! تدبّر الآية الكريمة 57 من سورة غافر (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون).
إلا أن بيت الشعر موضوع هذا المنشور بالإمكان قراءته بعينٍ لا ترى فيه ما يراه مُؤلِّهو الإنسان ومُعظِّموه. فإن أنت قرأته آخذاً بنظر الاعتبار أن “الانطواء على العالم الأكبر” هو حقيقةُ كل موجودٍ في هذا الوجود، فعندها يكون للإنسان حظٌّ منه، على ألا يكون في هذا الحظ أي تعظيم أو مبالغةٍ أو تفخيم. فكل شيء في هذا الوجود، إذا ما أنت نظرتَ إليه بعين عقلٍ لا ينسى أن هذا الشيء قد خلقه مَن خلق كل شيء، فلن يكونَ عسيراً عليك أن تتبيَّن فيه القدرة الإلهية التي إن كان بمقدورها أن تخلقه، فما كان ليُعجزها أن تخلق الوجود كله. فالله القادرُ على خلق أصغر الأجسام، هو ذاته القادر على خلْق أعظمها. ولك أيضاً أن تقرأ بيت الشعر هذا آخذاً بنظر الاعتبار أن الإنسان المذكور فيه هو ليس الإنسان الذي تعرف، ولكنه الإنسان الكامل الذي هو مطمح ومقصد السائرين على طريق الله تعالى. فهذا الإنسان الكامل هو العبد الكامل الذي استحق بتحقيقه العبودية المطلقة لله أن يُنعم عليه تعالى بفضلٍ إلهي يُكمل كلَّ نقائصه فلا يعود بعدها إنساناً كالذي تعرف، ولكن يغدو إنساناً مكتملاً بهذا التكميل الإلهي الذي يتجلى عليه كمالاً يصبح به الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم. وهذا الإنسان الكامل لك أن تنظر إليه فتراه وقد انطوى فيه العالم الأكبر بكل ما فيه من سموات وأرضين. وإن أنت قلتَ إن في هذا تناقضاً، فلك أن تتذكر أن هذا الإنسان الكامل هو المؤمن الذي قلبُه عرش الرحمن؛ هذا العرش الذي لم تسَعه سموات الله وأرضينه كما جاء في الحديث القدسي.
وإذا ما عدنا إلى أرض هذا الواقع، فإن لك أن تستعين ببيت الشعر هذا لتنظر إلى كل شيء في هذا الوجود لتراه بعينٍ لا يعجزها أن تتبين فيه قدرة الله تعالى التي تجلَّت في خلقه هذا الوجود.
