بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
تفيض الطبيعة من حولنا بالحنان، وذلك على الضد مما يُتَّهم به الحيوان عادةً من بلادة في الشعور والإحساس، وذلك مقارنةً بما يُظن أنه التجسيد الحي للحنان كما يُجلِّيه هذا الإنسان الممتلئ والمتدفق بالعطف والحنان! فأين الحقيقة؟
الحق أن الطبيعة ليست كما يُظنُّ بحيوانها، وكذا الإنسان. فلقد تجلى الله تعالى على الطبيعة بحنانه، فكان أن جعلت الطبيعة حيوانها لا قدرةَ له على أن لا يكون الحنان متجلياً في كثير من سلوكياته، وخصوصاً ما كان منها ذا صلةٍ بصغاره الذين ما جُعل الحنان في عالم الحيوان إلا ليتسنى لهم أن يحظوا بفرصةٍ للبقاء والانتشار وليكون بمقدورهم من بعد ذلك تحقيق رسالة الطبيعة القاضية بغزو كوكب الأرض غزواً بايولوجياً منهجياً براً وبحراً وجواً. والحنان في الطبيعة، إذ هو تجلٍّ لحنان الحنَّان عز وجل، فإنه لا يختلف على الإطلاق في شيء عن الحنان في عالم الإنسان، مادام الإنسان ما كان ليكون حنيناً لولا سابق مِنَّةٍ من ربِّه الحنَّان عز وجل. ويخطئ الإنسان إذا ما ظن واهماً أن الحنان عنده هو من صفاته التي جُبلت عليها نفسه التي ما أُحضرت غير الشُّح! إن حنان الإنسان ليس بمختلفٍ عن حنان الحيوان، إذ يتدفق عندهما كلاهما على صغارهما، وذلك حرصاً من الطبيعة على أن لا تتعارض إرادتها مع إرادة أفرادها التي تجعل الواحد منهم شغله الشاغل هو التفكير بما يضمن له البقاء لتنفيذ ما خُلق ليقوم به خدمةً للنوع بالانتشار والتكثير. وإذا كان الحيوان حنوناً على صغاره لما تقدم من سبب، فإن الإنسان حنانه على صغاره هو أيضاً مُسبَّب بذات السبب. ولهذا السبب، فليس هناك على الإطلاق من داع لتفخيم وتمجيد الحنان الإنساني، مادام هذا ليس إلا هبةً من لدن رب الإنسان الحنَّان عز وجل. فإن كان هناك من أحد يتوجب علينا أن نتوجه إليه بالشكر والامتنان فإنه الله تعالى وليس هذا الإنسان!
وأظن أن هذا يستدعي أن يُصار إلى تصويب النظرة إلى الأم البشرية، التي تفرَّدت من بين نساء بني آدم بالتبجيل والإشادة والتقدير الذي قد يصل حد التقديس أحياناً، وذلك بأن يُنظر إلى حنانها على صغارها لا على أنه إغداق تنعم به عليهم من لدنها، مادام هذا الحنان هو هبة الحنَّان عز وجل الذي جعلها متفردةً به لغايةٍ ذات صلة بما تقدَّم بيانه من دورٍ حاسمٍ للأم في عالمَي الطبيعة والإنسان، مادام الصغار قد قُدَّ قدرُهم فلا يكون بمقدورهم أن يُكتب لهم البقاء دون هذا الحنان من لدن الأم.
هذا بعضٌ مما جال بخاطري وأنا أتدبر الآية الكريمة 13 من سورة مريم عليها السلام (وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا).
