“فلتة الطبيعة” التي أفلتت إلى حين

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

freak turtleذكر الفلاسفة فقالوا إن للطبيعةِ فلتاتٍ تشذُّ عن سياقها ونسقها فتجيء متناشزةً معها مخالفةً لما هو ديدنها. وفلتات الطبيعة هذه قد تجلَّت في عالمَيها النباتي والحيواني، فكان أن ظهرت نباتات وحيوانات شذَّت عن النسق العام الذي هو القاسم المشترك لكافة أنواع النبات والحيوان فيها. لقد لاحظ دارسو هذه الفلتات أنها لا يُكتب لها أن تسود فتترسخ جيلاً من بعد جيل؛ إذ تجلى واضحاً لدى هؤلاء الدارسين أن النبات “المُفلت”، أو الحيوان، له أن يُفلت فيعيش مفلِتاً ثم يموت وتنتهي القصة. فليس هناك على الإطلاق من مثال، ولو واحد، لنباتٍ أفلت، أو لحيوان، فترسَّخت الفلتةُ في جيناته فكُتب لها أن تعاود الظهور في ذريته جيلاً بعد جيل. فالفلتةُ إذ تظهر فإنها لا يُقدَّر لها أن تستمر ولا أن تترسَّخ في الذرية والأجيال. ولكن هذا الذي ظهر في الطبيعة قانوناً حتَّم على الفلتات فيها أن لا يُكتب لها أن تُعمَّر أو أن يكون لها أن تترسَّخ في جينات مَن أفلت نباتاً أو حيوانا، لم يظهر في عالم الإنسان؛ إذ كان للفلتة الإنسانية أن تُفلت من هذا القانون الصارم فلم يكن محتوماً على الإنسان أن يقضي عن عُمُرٍ قصير، ولا أن لا يكون لجيناته الفالتة أن تترسَّخ فيها الفلتةُ فتُورَّث إلى ذريته جيلاً من بعد جيل. فالإنسان هو فلتة الطبيعة التي أفلتت فلم يكن محكوماً عليه بالفناء فرداً أو نوعاً كما هو كائنٌ في عالم النبات والحيوان. وهذا الإفلاتُ ما كان ليتحقق لولا أن هناك مَن سمح له بذلك. ومَن غير الله تعالى خالقُ كلِّ شيء من سمح للإنسان أن يُفلت من صارم قانون الله الطبيعي، الذي سلَّطه تعالى ليحول دون أن يُكتَب للإفلات في الطبيعة الاستمرار والترسيخ.

إن أعظم دليل على وجوب وجود الله تعالى، هو هذا الذي تراه من حولك متجلياً في انتشار النوع الإنساني في جميع أرجاء المعمورة. إذ ما كان للإنسان الملتاث، نوعاً وأفراداً، أن يُكتَب له هذا الانتشار الراسخ لولا أن اللهَ تعالى كان قد عطَّل قانونه الإلهي القاضي بوجوب التخلُّص من كل فالتٍ في عالم النبات والحيوان.

إن علماء البايولوجيا التطورية يتوجب عليهم أن يُقِرُّوا بهذا التناشز البيِّن بين الإنسان والطبيعة، وأن يُقرُّوا أيضاً بوجوب وجود من مكَّن للإنسان، الذي كان يتوجَّب عليه أن يفنى بسببٍ من كونه فلتةً طبيعية، فلم يفنَ وينقرض. ولكن أنى لهم ذلك وهم قد أسكرتهم نشوةُ “أصل الأنواع” التي جعلتهم في سكرةِ ما يتشابه به الإنسان مع الحيوان، وفي غفلةٍ عن ما يتناشز به عنه؟!

على أي حال، فإذا كان اللهُ تعالى قد عطَّل قانونه الطبيعي القاضي بوجوب أن تجُب الطبيعة أيَّ فردٍ من أفرادها نشز فأفلت، وذلك ليُصار للتمكين للإنسان على هذه الأرض، فإن هذا التعطيل الإلهي مأجولٌ بأجَلٍ مسمى ينتهي عنده التعطيل فيتحقق بذلك الجبُّ الإلهي لما هو فالتٌ ويُجهَز عليه فينتهي.

هذه خواطرُ تداعت إلى ذهني وأنا أتدبر الآية الكريمة (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون).

أضف تعليق