ِبسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يظنُّ الكثير أنني أُكثِر من الإلحاح على ماضي الإنسان تحدُّثاً عن جوانب غامضةٍ فيه لا سبيل للقطع بقولٍ فصلٍ فيها، مادام ما يفصل بين زماننا وزمانها من السنين ما يجعل من كل كلامٍ بخصوصها هو لا أكثر من تخميناتٍ وافتراضاتٍ لا وجه للمقارنة بينها وبين الوقائع والحقائق. وإني، وإن كنتُ لأشاطرهم الرأي بخصوص صعوبة الجزم بحقيقة ما حدث في ماضينا، إلا أنني وفي الوقت ذاته واثقٌ من أن بإمكاننا أن نقع على شيءٍ ما في ذلك الماضي الغابر السحيق نستطيع أن نبني عليه ما يُمكِّننا من تلمُّس الطريق إلى معرفة العلة وراء ما جعل حاضرنا يتشكَّل على النحو الذي نعرف.
إن ما يجعل هذا الإلحاح ضرورةً مُلحَّة هو عجز البايولوجيا التطورية عن تقديم تعليل كافٍ مقنع بوسعه أن يجعلنا نطمئن إليه وهو يقدِّم روايةً لما حدث في ماضينا فجعلنا على ما نحن عليه. فوفقاً لهذه البايولوجيا التطورية، فإن الإنسان هو نتاج أمِّه الطبيعة، شأنه في ذلك شأن غيره من الحيوانات باختلاف أنواعها. إلا أن نظرةً متمهلةً متأنيةً متدبرةً لعالم الحيوان بوسعها أن تخرج بنتيجةٍ مفادها ألا تشابه على الإطلاق بين هذا العالم وعالم الإنسان. والأمرُ جدُّ مُحيِّرٍ؛ ففي الوقت الذي بوسعنا أن نسوقَ من الأدلة ما يكفي للبرهان على أن الإنسان والحيوان ماضيهما مشتركٌ، بدلالة ما في حاضرهما من تشابهٍ يكادُ يقترب من التطابق، فإن هناك من التناشز بينهما ما يجعلنا نشكُّ الشكَّ كله في أن يكون الإنسان والحيوان حقاً من أصلٍ واحد. ويكفي أن نتدبَّر في هذه العدوانية المفرطة التي جُبل عليها الإنسان، مقارنةً بالعدوانية المنضبطة التي تفرَّد بها الحيوان. فإذا كان الإنسان والحيوان يجمعهما ماضٍ مشترك، فإن حاضرهما يفرِّق بينهما بفوارق يتربَّع على رأسها العدوان المفرِط للإنسان. فما الذي حدث فجعل من الإنسان يتناشز مع الحيوان بهذا العدوان المفرط، ويشذُّ بذلك عن السياق الطبيعي لما ينبغي أن تكون عليه الحياة البايولوجية على هذه الأرض؟
إن الإقرار بأن الإنسان مجبولٌ على عدوانٍ غير طبيعي هو أول خطوة على طريق معرفة العلة وراء تميُّز وتفرُّد الإنسان بهكذا نوع من العدوان لا يمكن أن يكون طبيعياً بحالٍ من الأحوال، وذلك لما ينطوي عليه عدوان الإنسان من تناقضٍ صارخٍ مع أنماط العدوان، كما يمكن أن تبيِّنها جليةً دراسةٌ متفحصةٌ لهذه الأنماط في عالم الحيوان.
إن ما حدث فجعل من الإنسان يشذُّ عن الطبيعة بعدوانه الظالم هذا، ويتناشز بذلك عن سلفه الحيوان المتميِّز بالعدوان المنضبط، لا يمكنُ لنا أن نستعين بالبايولوجيا التطورية لنحدد له مساراً نشوئياً يُعين على فقه العلة التي جعلت الإنسان على ما هو عليه كائناً متمرداً شاذاً متناشزاً مع باقي مفردات الطبيعة. فالبايولوجيا التطورية، إذ هي عاجزةٌ عن التعليل لهذا الذي جعل من الإنسان كائناً خرِباً ملتاثاً غير منتمٍ للطبيعة، فإنها غيرُ راغبةٍ أصلاً في الإقرار بوجود هذه التناشزات بين الإنسان والحيوان، وذلك لأن هكذا إقرار سيقوِّض أركان بُنيانها النظري الذي أقامته على أساسٍ من أن الإنسان والحيوان كيانان طبيعيان، وأن الإنسان، إذ نشأ عن سلفه الحيوان، فإنه لا يمكن أن يكون إلا الخلَف الذي لن تجد ما يُعجزك عن تبيُّن أوجه التطابق بينهما.
وبذلك يتبيَّن مقدار ما انطوت عليه البايولوجيا التطورية من عجزٍ مطلق عن أن يكون بمقدورها فقه الظاهرة الإنسانية تعليلاً لمشكلة إنسانها، وتقديماً للعلاج الذي هو كفيلٌ بإرجاع الإنسان إلى حومةِ الطبيعة التي شذَّ عنها وتناشز مع جميع مفرداتها.
إلا أن عجز البايولوجيا التطورية عن تقديم مقاربةٍ معرفيةٍ للظاهرة الإنسانية تتيح لنا أن نتبيَّن العلة وراء هذا التناقض الذي يمثِّله الإنسان بنشوزه عن الطبيعة وشذوذه عنها تناشزاً مع مفرداتها كلها جميعاً، لا ينبغي أن يقعدَ بنا عن محاولة العثور على تعليلٍ يُعيننا على فقه هذا الإنسان وبما يكفل لنا أن ننظر إليه فنراه على ما هو عليه حقاً وحقيقةً دون أن نُسبغ على منظورنا إليه ما يجعل منه شيئاً آخر غير ما هو عليه. إن الإنسان الذي تظن البايولوجيا التطورية أنها درسته فعرفته، هو ليس الإنسان الحقيقي، بل هو إنسانٌ مصطنَع مُفبرك كيَّفته هذه البايولوجيا ليجيء متناسقاً مع بُنيانها النظري فلا يمثل لها ما كان ليكون عليه من تهديدٍ لهذا البُنيان النظري إذا ما هي كانت قد اقتصرت عليه دون تزييد في توصيفها له، ولا تنقيصٍ من مواصفاته الحقيقية.
وهكذا فإننا إذ تبيَّن لنا أن لا فائدة تُرجى من استمرارنا في النظر إلى الإنسان بعين البايولوجيا التطورية، فإنه يتوجَّب علينا أن نتطلع إلى من له أن يُعيننا على أن نقارب الإنسان مستندين إلى ما بوسعه أن يقدِّمه لنا من تصورٍ لمشكلته تعليلاً لسببٍ نشوئها، وعلاجاً لها كفيلاً بإنقاذه من هلاكٍ محتوم. وهذا الذي بوسعه أن يكون العون لنا على فقه الإنسان الفقه الكفيل بجعلنا لا نتوهم بشأنه ما يعجز بنا عن معرفة غوامض ظاهرته، نشوءاً وارتقاءً وتجليات، هو القرآن العظيم الذي قدَّم البرهان على كونه المنهاج المعرفي الوحيد الذي لنا أن نطمئِّن إليه. وهذا البرهان هو ما تجده متجلياً في قانون التواجد الإنساني على هذه الأرض كما بيَّنته آياته الكريمة: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36)) (البقرة)، (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(24)) (الأعراف)، (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123)) (طه).
لقد سبق القرآن العظيم فبيَّن أن الإنسان، بأكله من الشجرة المحرَّمة، قد أصبح عاجزاً عن أن يكون بمقدوره الانسجام مع باقي مفردات الطبيعة، فكان محتَّماً عليه أن يشذ عنها ويتناشز مع باقي مفرداتها، وأن يتجلى هذا الشذوذ والتناشز بأبهى صورة في عدوانه المنفلت الظالم الذي نجد عليه من الأدلة والشواهد ما يكفينا للتيقُّن من أن هذا القرآن صادقٌ بإرجاعه كل هذا الجنون الذي عليه الإنسان إلى أكله من تلك الشجرة المحرَّمة.
إن نظرةً واحدةً لواقعنا الحاضر، ولماضينا الغابر، كفيلة بأن تجعلنا نقع على تطابقٍ مُذهلٍ بين أحداثهما التي تقطر دماً، وبين ما شخَّصه القرآن العظيم من علةٍ تكفي لفقه ما جعل الإنسان عاجزاً عن أن يكون على وفاقٍ مع أخيه الإنسان، بسببٍ من العداوة الفطرية التي جُبلا عليها فكان واحدهما عدواً للآخر. وهذه العداوة المتبادَلة بين كل إثنين من بني آدم، إلا ما رحم الله تعالى، هي العلة وراء كل أنهار الدماء هذه التي فجَّرها الإنسان بعدوانه المنفلت غير المنضبط منذ أن قتل إبن آدم أخاه ظلماً وعدواناً وإلى يومنا هذا.
