بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يُعلِّمنا القرآن العظيم أن الله تعالى قد خلق الجنَّ والإنسَ ليعبدوه (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (56 الذاريات). يخطئ من يظنُّ أن هذه الآية الكريمة قد جمعت فمنعت فكان أن حدَّدت الجنَّ والإنس، من بين كل من خلق اللهُ تعالى، عباداً يعبدونه تعالى! إن هذه الآية الكريمة إذ تحدَّثت عن الجن والإنس، فإنها لم تجعل عبادة الله تعالى مقصورةً عليهما فلا تتعداهما ليكون مخلوقاً لها عبادٌ من خلق الله آخرون. فاللهُ قد خلق الملائكةَ ليعبدوه، وخلق كلَّ موجودٍ في السموات والأرض ليعبده تعالى. وبذلك تكون السموات والأرض، ومن فيهما وما فيهما، قد خُلقت لا لشيء إلا لعبادة الله تعالى. وأنت بوسعك أن تتدبَّر القرآن العظيم فتجد في مواطن كثيرةٍ منه، الكثير من الآيات الكريمة الدالة على هذه العبادة التي خُلقت السموات والأرض للقيام بها: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)، (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)، (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا)، (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ).
إن ما تقدَّم يكفي ليدحض وليُبطل زعمَ من يقول بتفرُّد الإنسان بالعبودية لله، وبأن انفراد الإنسان بعبادته تعالى هو برهانُ أفضلية الإنسان على غيره ممن خلق اللهُ تعالى. لقد خلق اللهُ الوجود بكل ما فيه من موجود ليعبده تعالى، ولم يخص الإنسان دون غيره من الموجودات بهذه العبودية له تعالى. ولكنه الإنسان، الذي ظن يوماً أن الأرض هي محور الكون لا لشيء إلا لأنها أرضه هو، فكيف لا تتوقع منه أن يظن أنه محور اهتمام الله، وأنه تعالى إذ ينظر إلى الوجود فإنه لا يرى فيه إلا هذا الإنسان!
كفاك أيها الإنسان تكبراً وغروراً، فإن الكبرياء لا تليقُ إلا بالله رب السموات والأرض وما بينهما.
