بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يستند غُلاة هذا الزمان في تبرير قتالهم مَن لا يشاركهم فهمهم للدين إلى آياتٍ قرآنيةٍ كريمة يظنون واهمين أنها سندُهم الشرعي ومستندُهم الفقهي. ألا خابَ ظنهم الفاسد هذا! فلو أنهم تدبَّروا هذه الآيات القرآنية الكريمة حقَّ التدبُّر لما وجدوا فيها ما يبرر لهم ولوغهم الفاجر في دماء الأنفس التي حرَّم اللهُ قتلها إلا بالحق؛ هذا الحق الذي ما عرفته يوماً عقولهم العفنة مادامت قلوبهم قد تحجَّرت فتصخَّرت حتى أصبحت أشد قسوة من الحجارة فلم يعد بوسعها أن تتجانس مع رحمة هذا الحق.
وإن يُعاتَب أحدٌ فالمُعاتب هو تلك الفئة الضالة من “رجال الدين” التي غلبها جهلها بالقرآن العظيم فكان أن نطقت بالباطل ظناً منها أنها ما نطقت بغير الحق، فكان أن استدرجت إلى حومة البغي والعدوان أفراداً من ملتاثي العقول وغلاظ القلوب فأقنعتهم بوجوب قتال “مشركي هذا العصر”. و”المشركون” هؤلاء هم مَن لا يشاطرهم إيمانهم السقيم هذا. ولذلك تجدهم قد صنَّفوا الغالبية العظمى من أناس هذا الزمان على أنهم “مشركون” لهذا السبب الأخرق.
ونحن بوسعنا أن نجادل هؤلاء الحمقى مفترضين أننا كلنا مشركون كما يقولون، وللسبب ذاته الذي يزعمون، مادمنا لا نشاركهم غيَّهم الذي خُيِّل إليهم أنه الحق الإلهي الذي أبداً لا يجافي الصواب. فلنفترض على سبيل الجدال أننا مشركون، فهل في آيات القرآن العظيم التي ذُكِر فيها قتال مشركي زمان نزول القرآن العظيم ما ينبغي أن يُفهم منه أن “مشركي” زماننا هذا واجبٌ قتالهم وحلالٌ دماؤهم، ناهيك عن استحلال أعراضهم وأموالهم؟
(وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (من 36 التوبة)، (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (5 التوبة)، (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (29 التوبة).
إن القراءة المتدبِّرة لهذه الآيات الكريمة، وغيرها من آيات القتال في القرآن العظيم، لا تُجيز على الإطلاق لغُلاة هذا الزمان أن يعتمدوها سندهم الشرعي ومستندهم الفقهي فيكون لهم بذلك أن يجزُّوا الرؤوس وينهبوا الأموال ويعتدوا على الأعراض، بحجة أن المشركين حلالٌ قتلهم ونهبهم والاعتداء الظالم عليهم! وإذا ما أراد هؤلاء الغلاة الفاسدون أن يتبينوا فيمَ أخطأوا بفهمهم آيات القتال، فلهم أن يُذكَّروا بأن الأمر الإلهي الذي حملته إلينا آيات القرآن العظيم قد حدَّدته هذه الآيات الكريمة فجعلته مقتصراً على مشركي عصر نزول القرآن العظيم. وبذلك تسقط حجتهم ويُدحَض بذلك ما ظنوا أنه سندهم ومستندهم. فحتى لو كنا كلنا جميعاً ممن لا يشاركهم غباءهم، مشركين، فإننا لسنا من مشركي عصر نزول القرآن العظيم حتى يتوجب عليهم أن يقاتلونا، وذلك على افتراض انهم مؤهلون شرعياً لخوض هكذا قتال. فواحد هؤلاء الغلاة ليس مؤهلاً شرعياً لأن يخرج مقاتلاً في سبيل الله مادام هو لم يتقن مجاهدة نفسه وبما يجعل منه متمكناً منها، آمراً لها، وليس كما هو واقع حاله الذي تنبئ به أقواله وأفعاله وأحواله التي تشهد كلها جميعاً بأن نفسه هي المسيطرة عليه المتمكِّنة من قلبه والمُسيِّرةُ له.
إن أُم الآفات هي ما ظنَّ البعض من “علماء الدين” بهذا القرآن العظيم، أن آياته كلها جميعاً ينبغي على كل عصرٍ أن يتعامل معها كما لو أنها قد نزلت فيه هو على وجه التخصيص والتحديد، وبذلك نسوا أن الكثير من آيات هذا القرآن ليس لنا أن نُخرجها خارج سياقها المكاني والزماني بحجة أنها صالحةٌ لكل زمان ومكان!
فكل من يلاجج مجادلاً بأن كل آيات القرآن العظيم صالحةٌ لكل زمان ومكان، فإنه لا يفقه من هذا القرآن شيئاً! إن ما يتوجب على علماء دين هذا الزمان هو القيام بكل ما من شأنه أن يجعل هذه الحقيقة واضحةً لا لبس فيها. والحقيقة هذه هي أن في القرآن العظيم آياتٍ، ومنها آياتُ القتال، محددة بزمان وعصر نزول القرآن العظيم. هذا حقٌّ لا ينبغي لنا أن نماري فيه بحجة أن اللهَ تعالى قد أنزل قرآنه العظيم ليُعمل بآياته كلها جميعاً في كل زمانٍ ومكان.
