ما سبق وأن قاله الله في هذا القرآن من وجوب مقاتلة غُلاة هذا الزمان

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم

اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

the holy Quran

لم يكن اللهُ تعالى ليرضى أن يُجبَر أحدٌ على أن يؤمن به وهو مُكرَهٌ غير راغب. فاللهُ إذ يريد لابن آدم أن يؤمن به تعالى، فإنه لا يقبل أن يكون هذا الإيمان تحت وطأة التهديد. فاللهُ قد علَّمنا في قرآنه العظيم أنه كان بمقدوره أن يجعل كل بني آدم يؤمنون به تعالى لو شاء. واللهُ، إذ لم يكن ليحب أن يُقسَر أحدٌ على أن يؤمن به تعالى إجباراً وإكراهاً، فإنه لم يكن ليرضى أيضاً بأن يُقاتَل الناسُ فيعذَّبون ويُقتَلون ويُفظَّع بهم ويمثَّل بهم على يد من يزعم أنه ما يفعل ذلك شهوةً ولا تلذذاً ولكنه مدفوعٌ إليه حرصاً على إعلاء كلمة الله تعالى وانتصاراً لدينه الحنيف! إن ما يُعاب على الغالبية العظمى من رجال الدين في كل زمانٍ ومكان أنهم لم يقاربوا الدين بقلوبهم، ولكنهم قاربوه بعقولهم.
والدين، إذ هو شأنٌ رباني، لا يمكن أن يُقارَب إلا بالقلب وليس للعقل من حظٍّ في هذه المقاربة إلا بأن يوافق القلبَ فيما ذهب إليه من إقبالٍ على الدين تقبُّلاً له بحذافيره كلاً كاملاً مكتملاً دون أن يُصار إلى تبعيضه اجتزاءً وتقطيعاً. فالعقلُ مجبولٌ بخلقته على أن لا يقبل من الأشياء إلا ما كان منها قابلاً لأن يُجزَّأ فيُبعَّض فيسهل عليه بذلك أن يتقبَّله فيستسيغه فيمضغه ليتمثَّله من بعدُ. والعقلُ في هذا لا يختلف في شيءٍ عن الفم، إذ لا يستطيع أن يتقبَّل الغذاء إلا مُجزَّأً مقطعاً ليكون بمقدوره أن يستسيغَ فيمضغ فيبتلع. أما القلبُ، فهو إذ يقارِب الحقيقة، فإنه يتقبَّلها كلها دفعةً واحدةً دون أن يجتزأ منها أو يقتطع، وبذلك تكون المقاربةُ القلبية للدين هي التي تمكِّن المُقارب من الوقوع على حقيقته دون أن يضيفَ إليها أو يُنقص. فالعقلُ إذ يشرع بتقبُّل الحقيقة، فإنه يجتزئ منها ما يتيسَّر له منها، ثم يضيف على ما اجتزأ ما يُسهِّل عليه أمر تقبُّله فيغيِّر فيه فلا يعود هذا الذي اجتُزئ ذا صلةٍ بالحقيقة إذ هو جزءُها الذي اقتُطع من كلِّها، وإذ هو أضيف إليه ما ليس فيه فكان هذا الذي أخذه العقل من الحقيقة لا يمثِّلها على الإطلاق.
وإذا ما عدنا إلى الإيمان بالله، وكيف أنه تعالى لا يقبل أن يكون هذا الإيمان مضطراً إليه أحدٌ من بني آدم بالتخويف والتهديد والوعيد، فإن هذا سوف يحيلُنا إلى أمرٍ يتوجَّب علينا أن نتبيَّنه بخصوصه مادام هذا الحاضر، وما سبق من ماضٍ غابر، كلاهما يشهد بأنه قد شُنَّت غزواتٌ وحروبٌ بذريعة فرضه على المخالفين بالقوةِ الجبرية.
ونحن إذا ما تدبَّرنا قرآن الله العظيم، مسترشدين بما جاء فيه من آياتٍ بيِّناتٍ ذُكر فيها القتال، لن يُعجِزنا أن نتبيَّن أن ما من موطنٍ، ولو واحد، فيه بوسعك أن تستدلَّ به على صلاح رأي الغُلاة بأنهم إذ يُقاتلون الناسَ فيقتلونهم فإنهم إنما يفعلون ذلك نشراً للدين وتعميماً للإيمان! فالقتال في القرآن العظيم هو ردُّ فعلٍ وليس بفعل؛ فأنت مأمور بأن تقاتل مَن يقاتلك لا بأن تقاتل من هو ليس بمقاتلك. فكل قتال لأناسٍ مسالمين عُزَّل إنما هو عدوانٌ ظالم يُوقع القائم به في دائرة مَقت الله، والعياذ به تعالى.
إن اللهَ تعالى لم يُرد لدينه أن ينتشر بحد السيف. وكل مَن يقول خلاف ذلك فإنما يخوضُ فيما ليس له به علم وفيما ليس بمقدوره أن يجيء عليه ببرهانٍ بيِّن من قرآن الله العظيم.
وإذا كان القتالُ في القرآن العظيم هو ردُّ فعلٍ تقاتِل فيه من يقاتلك، فإن هذا يوجب على الأمة أن تبادر إلى قتال مَن شنَّ عليها الحرب من أبنائها مادام هؤلاء قد بادروا فابتدأوا القتال الظالم. ومقاتلة هذا النفر الضال من أفراد الأمة واجبةٌ بنَصِّ القرآن العظيم. ولست لتحتاج لأكثر من أن تُراجع هذا القرآن لتجد فيه كلَّ ما أنت تحتاجُ إليه من آياتٍ بيِّنات تُجيز لك أن تقاتل من خرج على الأمة من أبنائها بحجة إجبار المشرك والمقصِّر والعاصي على التوبة فشرعَ يُقتِّل فيهم مستبيحاً الدم والمال والعِرض رافعاً راية دين الله تعالى، ودين الله تعالى منه براء. فكل آية في القرآن الكريم أجازت مقاتلة مَن يقاتلك، واجبٌ الانصياع إليها والتقيُّد بها امتثالاً لما جاءت به دون تأويلٍ يُذهب بفحواها ومعناها. إلا أن ما يجب التشديد عليه هنا هو أن مقاتلة النفر الضال والفئة الشاردة من أفراد الأمة، من الذين خرجوا عليها بحجة إجبارها على الامتثال لما يظن هؤلاء أنه الدين الحق الذي فسَّروه وفق ما تأمر به أهواؤهم وأنفسهم، يجب أن توكل إلى الدولة لأنها المسؤولة شرعاً وقانوناً عن الأمة والمساءَلة عنها أمام الله تعالى. فالأمة، إذ هي مأمورةٌ بأن ترد العدوان عليها حتى وإن كان هذا العدوان آتياً من قبل البعض من أفرادها، فإن الفرد فيها ليس له إلا أن يوكل أمر مقاتلة الضالين من أفرادها الباغين في الأرض والمفسدين فيها، إلى الدولة على أن يبذل كل ما في وسعه لمؤازرتها في حملتها على هؤلاء بالدعاء وبالامتثال لما تأمرُ به وتوجِّه، وهي الأدرى بالصالح العام وبكيفية التعامل مع هذه الفئة الضالة المنحرفة الشاذة الباغية.
إن هذا القرآن العظيم ليأمر الأمة وليجيز الدولة بأن لا تقصِّر في ملاحقة هؤلاء المجرمين الباغين ومقاتلتهم ومعاقبتهم أشد العقاب، ليكونوا عبرةً لكل من تسوِّل له نفسه الخروج على قرآن الله العظيم مقاتَلةً للناس وإجباراً لهم على ما لم ترتضيه قلوبُهم وعقولهم مادام اللهُ تعالى قد كفل للإنسان حقَّ الاختيار من بعدما تبيَّن الرُّشد من الغي، فلم يُجِز الإكراه في الدين. ويكفينا أن نتذكر معاتبة الله تعالى لرسوله وحبيبه صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله في سورة سيدنا يونس عليه السلام (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).

أضف تعليق