أمراض النفس والأمراض النفسية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

 sickيُحسب للتصوف أنه سلَّط الأنوار الكاشفة على كيانٍ مُداخلٍ للإنسان فلا يكون له وجودٌ بغير هذا الكيان الذي هو أقرب إلى الكينونات الميتافيزيقية منه إلى ما يمكن أن يُعثر له على وجودٍ فيزيقي داخلاً من الجسم البشري. وهذه النفس البشرية هي شيءٌ آخر غير الروح الإنسانية. وإذا جاز أن يُفرَّق بين الكينونتين، فلك أن تتصور روح الإنسان مخلوقةً من نور ونفسه خُلقت من نار. ولأنها كذلك، فليس بالإمكان أن تقارَب هذه النفس مقاربةً مادية، فقهاً لكيفية تسلُّطها على الإنسان وتعليلاً لتواجدها فيه أصلاً، ناهيك عن علاج ما هي ليست بقادرةٍ على أن لا تتسبب فيه من أذىً وضرر بسببٍ من هذا التواجد الذي ابتلى به الله تعالى الإنسان. فالتصوف هو العلم الوحيد الذي بمقدوره أن يحقِّق هذه المقاربة المعرفية الصائبة، فيكون بوسعنا، إذا ما نحن استعنَّا به، أن نتبيَّن بشأنها ما لا قدرةَ لعلمٍ آخر على أن يبيِّنه.

فهذا الكيان الميتافيزيقي المصاحِب للإنسان تحتاج إلى كيانٍ ميتافيزيقي آخر مهيمنٍ عليه كيما يكون بمقدورك أن تتعامل معه فقهاً لأصل نشأته، وتصوُّراً لما هو قادرٌ على أن يتسبب به للإنسان من ضرر، وعلاجاً ناجعاً لهذا الضرر الذي يكذب مَن يقول بأن بوسعه أن يداويه بغيرِ ما في صيدلية التصوف من دواء.

والنفسُ، إذ تتواجد داخل الإنسان بكيفيةٍ ميتافيزيقية لا قدرةَ لنا على تصورها، فإن تواجدها هذا لا ينجم عنه إلا كل ما هو ليس في صالح هذا الإنسان المبتلى بها. وتواجدها هذا هو الذي يجعل من الإنسان سقيماً عليلاً بأمراضٍ ميتافيزيقية الأصل فيزيقية الأعراض. ويخطئ من يظن أنَّ أمراض النفس هي ذاتها الأمراض النفسية التي هي مجال دراسة علم النفس (السايكولوجيا). فأمراض النفس شيء والأمراض النفسية شيء آخر، ولا يجوز على الإطلاق الخلط بينهما مضاهاةً ومطابقة. فالأمراض النفسية هي ليست أمراض النفس مادام بالإمكان التعامل معها مادياً. وهذه الأمراض هي بدورها أعراضٌ لأمراض النفس. فالإنسان المريض نفسياً هو مَن تسببت أمراض النفس عنده بأمراضه النفسية هذه. ولذلك كان بإمكان المقاربة السايكولوجية (النفسية) للأمراض النفسية أن تنجح في علاج هذه الأمراض في الغالب الأعم، ولذلك أيضاً كانت هذه المقاربة عاجزةً في الوقت ذاته عن أن تعالج أمراض النفس عند الإنسان.

والأمراض النفسية، التي هي من مظاهر أمراض النفس، لا يمكن على الإطلاق أن يُحسب نجاح السايكولوجيا في مقاربتها، دراسةً وعلاجاً، فيُتصوَّر أن بوسع هذه السايكولوجيا أن تعالج أمراض النفس عند الإنسان. إن من يستطيع أن يعالج هذه الأمراض الميتافيزيقية هو من بوسعه أن يقاربها تقرُّباً منها يتيح له أن يقتحمها في مكمنها الذي توارت داخلاً منه فأعجزت بذلك أية مقاربةٍ غير صوفية عن أن تنجح في تشخيصها، ناهيك عن أن يكون ميسورٌ لها علاجها. ونظرةٌ واحدةٌ على عجل إلى واقع الإنسان المعاصر، كفيلةٌ بأن تريك ما يرزح تحت نيره هذا الإنسان من عذابات وأوجاع وآلام جراء أسقام النفس التي توهَّم أنها أمراضٌ نفسية بوسع السايكولوجيا أن تشخِّصها وتنجح من بعد ذلك في علاجها، ويتحقق له بذلك الشفاء منها!

إن كل مقاربةٍ للإنسان على اعتبار أنه بدنٌ صنعَته البايولوجيا، لابد وأن تنتهي إلى فشلٍ ذريع. فالإنسان إذ كان له ماضٍ بايولوجي، فإن هذا لا يمكن على الإطلاق أن يكون كل ما حدث له فصيَّره الإنسان الذي نعرف. إن البرهان الأعظم، والدليل الحاسم، على أن هناك شيئاً ما في ماضي الإنسان، غير تراثه البايولوجي، قد حدث فجعل من هذا الإنسان ملتاثاً بلوثةٍ لا قِبَل للسايكولوجيا بعلاجها، هو هذا الذي بوسعك أن تنظر إليه فتراهُ فيه متجسداً ماثلاً للعيان ينطق فيقول بخلاف ما تظن واهمةً هذه السايكولوجيا العاجزة. فلو كان الإنسان بلا نفس، بالمعنى الصوفي، أفما كان بمقدور علاجات السايكولوجيا أن تنجح في علاج أسقامه النفسية؟!

إن  هذا الإنسان المُعذَّب بنفسه، بالمعنى الصوفي، سيبقى يعاني من العذاب مادام أطباؤه النفسيون لا يقرُّون بأن له نفساً غير تلك التي توهموا أنهم قد وقعوا عليها بعلومهم السايكولوجية، ووصفوا لها علاجاتهم التي لا يمكن لها أن تمسَّ غير ما هو “مادي” فيزيقي داخل الإنسان، دون أن يكون بوسعها أن تقترب مما هو غير مادي، ميتافيزيقي، داخلاً منه.

إن الإنسان المعاصر سوف يبقى أسيرَ أمراض النفس حتى وإن نجحت السايكولوجيا في علاج أمراضه النفسية. وهذا عذابٌ ما بعده عذاب، إذ أن عجْز الدواء النفسي عن علاج أمراض النفس سوف يجعل من الإنسان يتنقل من دواء نفسي إلى آخر ظناً منه واهماً أنه بذلك سوف يكون بمقدوره أن يشفى من عذاباته التي تسببت بها أمراض النفس عنده التي لا يدري عنها شيئاً. وهذا التنقُّل من دواء إلى آخر سوف ينعكس سلباً على مادة دماغه، مما يتسبب في إلحاق الأذى بها وبما ينجم عنه بالضرورة ولوغه في غياهب أمراضٍ نفسيةٍ أخرى لن يكون بمقدور السايكولوجيا أن تعالجها لفرط تعقُّدها من بعد تمايزها عن أصلها البدائي البسيط الذي نجحت هذه السايكولوجيا في مقاربته فقهاً وعلاجاً. وهذا ما سيؤدي بهذا الإنسان المسكين إلى ما يجعله يُقدم على تصرُّفات غير متوقعة قد ينجم عنها إلحاق الضرر الأكبر به وبمحيطه.

إن التصوف هو العلم الوحيد الذي بوسعه أن يعالج أمراض النفس عند الإنسان علاجاً مباركاً لا يتمخَّض عنه إلا كل ما هو خير لهذا الإنسان. ولأن الأمراض النفسية هي في الغالب الأعم أعراضٌ لأمراض النفس عند الإنسان، فإن علاج هذه الأمراض لن يكون العلاج الناجع الذي يتحقق به للمريض الشفاء التام الناجز، إلا بالتصوف.

إن ما يجب أن يكون جلياً واضحاً وضوح الشمس في رابعة النهار، هو أن الإنسان ليس بدناً صنعته بايولوجيا الطبيعة فحسب، ولكنه بدنٌ له ماضٍ بايولوجي طبيعي، وله تراثٌ غير طبيعي أدى إلى أن تُداخِل هذا الإنسان نفسٌ من غير مادته البايولوجية، صُنِعت من غيرما قُدَّ منه بدنُه، إذ خُلقت من نارٍ لا يمكن لغير التصوف أن يقترب منها بنوره الإلهي فيُخمدها.

أضف تعليق