التدخل الإلهي وحجاب الأسباب

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

النورخلق اللهُ الوجود كوناً بسمواتٍ وأرضين، وكفل تعالى لهذا الوجود أن يكون مستقراً متماسكاً فلا يتهاوى بعضاً على بعض، وذلك بتواجده داخلاً منه. وهذا التواجد الإلهي داخل الوجود لم يكن ليتجاوز كثافةً محددةً وإلا لكان لشديد هذه الكثافة أن تمحق هذا الوجود وتسحقه وتدكّه دكاً فلا تُبقي له على وجود. وهكذا كان التواجد الإلهي داخل الوجود موزوناً بميزان الله تعالى الذي خلق كل شيء بقدَر. فكثافة التواجد الإلهي في الوجود هي بقدْرٍ يتيحُ له أن يكون فلا يزول. فلو ازدادت هذه الكثافة المقدَّسة، أو نقصت، عن حدِّها الذي قدَّره اللهُ تعالى، لكان في ذلك ما يجعل من هذا الوجود يفقد الوجود إما دكاً بزيادة هذه الكثافة، أو زوالاً إن قلَّت فانعدمت. واللهُ علَّمنا في قرآنه العظيم أنه تعالى هو من يمسك السموات والأرض أن تزولا، وأنهما لابد وأن تزولا إذا ما أمسكهما غيره. وهذا الإمساك الإلهي بمادة السموات والأرض لا علاقة له من قريب أو بعيد بقوة الجاذبية التي هي إحدى القوى الفيزيائية الأربع. ويخطئ من يظن أن اللهَ تعالى يُمسك بالسموات والأرض بوساطةٍ من هذه القوة. والدليل على فساد رأي من هذا هو ظنه أن هذه القوة لا يمكن أن تزول وفق ما تقضي به الفيزياء، فكيف إذاً ستزول السموات والأرض يوم القيامة وقوة الجاذبية لا يمكن أن تزول؟! إن الله تعالى يُمسك بالسموات والأرض حتى لا تزولا، فإن هو لم يمسكهما فلن يكون لهما إلا أن يزولا. وهذا هو ما سيحدث يوم القيامة؛ إذ ستزول السموات والأرض لأن الله تعالى لن يعود ممسكاً بهما حتى لا يزولا.

والحديث عن قوة الجاذبية، بنفي أن تكون القوة التي يُمسك بها اللهُ تعالى السموات والأرض، يستدعي أن أتحدث عن التدخل الإلهي في سير أعمال هذا الوجود. فاللهُ تعالى متواجدٌ في هذا الوجود من وراء حجاب الأسباب؛ هذا الحجاب الذي هو كنايةٌ عن تدخُّله تعالى غير المباشر عن طريق الأسباب التي خلقها اللهُ تعالى ليتوارى من ورائها متلطفاً فلا يُشعر به أحداً حتى أنك لتكاد أن تجزم أن هذه الأسباب هي التي تفعل في الوجود لا الله تعالى. واللهُ تعالى قادرٌ بعدُ على أن يفعل في الوجود فعلاً دون وساطةٍ من أسباب هذا الحجاب، فيكون فعله تعالى بالتالي بتدخُّلٍ إلهي مباشر من لدنه تعالى.

أضف تعليق