بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ذكرتُ في أكثر من منشور أن لله تعالى تواجداً داخل الكون، ووجوداً خارجه. وإذا ما نحنُ أردنا أن نتبيَّن الفرق بين الوجود الإلهي والتواجد الإلهي، فليس هناك من سبيل إلى ذلك غير أن نعود القهقرى بلايين السنين إلى ماضٍ سحيق قرر الله تعالى حينه أن يشرع بخلقِ هذا الكون، فكان أن جعل نزراً من مادته الإلهية يتفاعل فيما بينه لينتج عن هذا التفاعل المادة المخلوقة الأولى في هذا الوجود. وهكذا أخذ اللهُ تعالى يخلق من هذه المادة ما شرع يغدو الجسيمات المادية الأولى التي أخذت من بعد ذلك في التفاعل البيني ليمهد هذا التفاعل السبيل أمام مادة الكون، سمواتٍ وأرضاً، ليكون لها تواجد فيه. وهذا الكون قد حُددت مساحةُ انتشاره المادي فلم يكن لها أن تتجاوز حدوداً قدَّرها اللهُ تعالى بما أطلق عليه في قرآنه العظيم “أقطار السموات والأرض”. وهذا الكونُ بعدُ هو مجالُ نفوذ الله تعالى الذي أطلق عليه في قرآنه العظيم تسمية “الكرسي”، فكان الكرسي الذي وسع السموات والأرض. ولأن الكون هو ليس كل ما هنالك في هذا الوجود، كان لله تعالى أن يكون موجوداً خارج الكون، المتواجد داخله في الوقت عينه. وكان هذا الوجود الإلهي خارج السموات والأرض هو ما يشير إليه القرآن العظيم باستوائه تعالى على العرش.
ونحن بوسعنا أن نجد ما تقدم متضمَّناً في تأويل وتفسير كثير من آيات القرآن العظيم التي تشير إلى استواء الله تعالى على العرش من بعد فراغه من خلْق السموات والأرض. تدبَّر آيةً كريمةً من هذه الآيات الكريمة (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين) (54 الأعراف).
إذاً فبسببٍ من وجود الله تعالى في السموات والأرض، كان هذا الوجود تواجداً أكثر منه وجوداً؛ إذ أن وجود الشيء في مكان ما يستدعي إلى الذهن انتفاء وجود أي شيء آخر معه. فالأشياء إذ تكون موجودةً سويةً في مكان ما، فإنها في حقيقة الأمر متواجدة وليست موجودة، وذلك بسببٍ من تشاركها كلها جميعاً الوجود. وبذلك يكون الله تعالى متواجداً في الكون بسببٍ من كل ما فيه من الموجودات المتواجدة معه. أما خارج الكون، حيث العرش، فبسبب من انتفاء وجود أي موجود غير الله تعالى، فإن الله تعالى يكون موجوداً غير متواجد.
فسبحان من كان كيانه تعالى موجوداً ومتواجداً في الوقت عينه، فليس كمثله شيء إذ أن كل شيء ليس له إلا أن يكون متواجداً مع غيره من الأشياء. وبذلك تستطيع الآن أن تتبيَّن المعنى العميق لواحدٍ من الأوراد الدائمية للطريقة العلية القادرية الكسنزانية، ألا وهو “لا موجودَ إلا الله”. إذ ليس هناك من مخلوقٍ إلا وقد قُدِّر عليه أن يكون متواجداً غير موجود، ليكون بذلك الله وحده المخصوص بالوجود فلا يكون لموجود من وجود سواه تعالى.
