بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
كنت قد تحدثت في منشورٍ سابق عن التواجد الإلهي في الوجود وكيف أن هذا التواجد هو العلة وراء استقرار الوجود؛ هذا الاستقرار الذي تتكفل به كثافةٌ للتواجد الإلهي محددةٌ بقدْرٍ ليس له أن يزداد أو ينقص. فمادة الكون المتجلية في الموجودات السماوية والأرضية لا قدرةَ لها بذاتها على أن يكون لها وجود. وهذه المادة تحتاج إلى التواجد الإلهي فيها لكي تستقر فلا تتلاشى وتزول. واللهُ ما كان له أن تظل كثافة تواجده تعالى في الوجود مرتفعةً من بعد إتمامه خلق مادة هذا الوجود، فكان أن استوى على العرش مبقياً على أدنى قدرٍ ممكن من كثافة التواجد هذه فلا يزول الوجود ولا يُمحق بسببٍ من ازدياد أو نقصان المادة الإلهية المتواجدة فيه. وهكذا كتب الله على الوجود أن يحيا في ظل تواجده تعالى فيه مستقراً بسببٍ من هذا التواجد الإلهي الحكيم الرحيم. إلا أن الله تعالى ما كان ليجعل من قانون تواجده الإلهي في هذا الوجود عاماً شاملاً دون خروقات. فالله خرق قانونه الإلهي هذا، وذلك عندما شاءت إرادته تعالى أن يرفع من كثافة تواجده في حيِّز من هذا الوجود قضى الله تعالى أن يُحدث فيه أمراً. وقرآن الله العظيم حافلٌ بأمثلةٍ على هذه الخروقات الإلهية. وسوف أفصِّل في هذا المنشور فأتحدث عن خارقةٍ منها فصَّلتها سورة الأعراف. تدبر الآية الكريمة 143 من هذه السورة: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ).
فما الذي حدث لجبل سيدنا موسى عليه السلام؟ لقد تجلى الله لذلك الجبل بأن زادَ تعالى من كثافة تواجده فيه وحواليه، فكان أن دُكَّ الجبل وأصبح هشيماً. وما حدث لجبل سيدنا موسى عليه السلام هو مثالٌ على ما سيحدث يوم القيامة عندما يطوي اللهُ تعالى السماء كطَي السجل للكتب فيتجلى للسموات والأرض فيدكُّهما تجليه لهما من بعد أن تزولا إذ ليس لأحدٍ غيره تعالى أن يمسكهما من بعده. فالوجود يوم القيامة مقدَّر له الفناء بهذا الزوال الذي يتسبب فيه إحجام الله تعالى عن الإمساك بسمواته وأرضينه، ومقدَّرٌ عليه المحقُ دكاً وذلك بتجلي الله تعالى له.
إن اللهَ تعالى قد كفل لهذا الوجود حياةً مأجولةً بأجل يوم القيامة. والوجود له أن يحيا مستنيراً بتواجده تعالى فيه، حتى إذا ما قدَّر اللهُ فأخلَّ بكثافة تواجده تعالى فيه، كان عليه أن يزول دكاً دكا.
