بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

عجيب لأمر الإنسان! أنظر إليه كيف يتفنَّن في اختراع ما ليس له وجود وينصرف عن ما هو موجود! إن واحداً من أهم ما يُميِّز الإنسان هو هذه القدرة الفذة على تصوُّر وتخيُّل ما ليس له وجود. ولو أنك تصفحتَ مسيرةَ هذا الإنسان منذ البدايات وحتى يومك هذا، فلن يكون من العسير عليك أن تجد ما لا قدرةَ لك على أن تحصيه من الأمثلة على ما اخترعه الإنسان من “الموجودات الخيالية” التي انشغل بها عن الموجودات الحقيقية. ولعل “الحب” أن يكون واحداً من أبرز هذه الموجودات الخيالية التي انشغل بها الإنسان على مر العصور، وهو يظن أن هذا “الحب”، الذي شغله فأشغله عن ما كان حرياً به أن ينشغل به، هو موجودٌ بحق وحقيقة. ونحن إذا ما أردنا أن نتبيَّن الحقيقةَ بشأن هذا “الحب”، فلا ينبغي لنا أن نجاري الإنسان فنصدِّق معه ما يتوهمه بشأنه. فهذا “الحب” ينبغي أن يلاحَق بالتحليل وصولاً إلى الوقوع على علَّته التي كانت السبب وراء تخيُّل الإنسان لما جعله يظن واهماً أن له وجوداً.
فالإنسان مخلوقٌ ذو ماضٍ تطوري ضاربٍ في القِدَم، وأنت لن تستطيع أن تستبين شيئاً ذا بال بخصوص هذا الإنسان ما لم تأخذ بنظر الاعتبار هذا الماضي الذي سيظل يلاحق الإنسان بأشباحه وأطيافه إلى يوم القيامة. و”الحب”، إذ هو واحدٌ من بين ما يتميَّز به هذا الإنسان، لا يمكن أن يكون بدعاً من باقي ميِّزاته التي لا يمكن أن تُعرَف كما يجب دون ولوغٍ في ماضي الإنسان البعيد.
لقد خلق اللهُ تعالى الطبيعةَ ببرنامجٍ تصميمي جعلها ملزمةً بأن تدفع بأفراد كل نوعٍ من الأنواع البايولوجية صوب تحقيق أكبر انتشار ممكن للمادة الحية على هذا الكوكب. ولقد حرصت الطبيعةُ على أن تجعل امتثالها للأمر الإلهي هذا يتجلى في جعلها الفرد ملزماً بتحقيق إرادة النوع التي تقضي بأن يكون الهَم الشاغل له هو العمل الدؤوب على تحقيق هذا الانتشار البايولوجي الذي هو ليس إلا عبارة عن غزوٍ بايولوجي منهجي لهذه الأرض. فكان أن ألزم اللهُ تعالى الطبيعةَ بأن تجعل الجنس وسيلتها لتضمن التزام الفرد بتحقيق هذه الإرادة. وهذا ما كان، وما زال، شأن أصناف الحياة البايولوجية خلا الإنسان. فالإنسان كما نعلم كائنٌ معذَّبٌ بخيالاته وخياراته؛ هذه الخيارات التي هي في الغالب الأعم نتاج هذه الخيالات التي استعاض بها عن الوقائع والحقائق، فكان أن عادت عليه بكل ما جعل منه يرزح في شقاءٍ وعناء مادام هو قد ارتضى لنفسه الإصغاء إلى غير صوت الحق. فالجنس عند الحيوان فعاليةٌ طبيعية هدفها تنفيذ إرادة النوع لا أكثر ولا أقل.
ولأن الحيوان مخلوقٌ فيزيقي ليس له قدرة على إبداع ما ليس له وجود، ولا نزعةَ لديه ليعيش الخيال عوض هذا الواقع، فلم يكن لهذا الحيوان أن يخترع من مادة الخيال ما يتوهم أنه شيءٌ ينبغي له أن يتعامل معه على أنه مفردةٌ من مفردات واقعه المحسوس الملموس. ولأن الإنسان مخلوقٌ ميتافيزيقي، فلم يكن له إلا أن يتعامل مع الجنس بما جعل منه غير قادرٍ على أن يسمِّي الأشياء بمسمياتها دون أن يضيف أو يُنقص، فكان أن تمخَّض الجنسُ حباً ظنَّ هذا الإنسان أن له وجوداً أصَّله فجعله العلةَ والدافع، فنسى بذلك أن الأصل هو ما قضت به الطبيعةُ المأمورة بتنفيذ برنامجها الذي سبق وأن صممه فأطلقه ربُّها وربُّ الإنسان، الله تعالى.
ولأن الحيوان مخلوقٌ بسيط، فقد كان الجنسُ عنده كذلك؛ فلا تعقيدات ولا لف ولا دوران! ولأن الإنسان مخلوقٌ ذو تعقيد، فلم يكن له أن يتقبَّل الجنس تقبُّل الحيوان له، فكان أن صيَّره كياناً ذا تعقيدٍ يوازي ما هو عليه من تعقيد. وفاقم الأمرَ سوءاً أن الإنسان في الغالب الأعم ليست له قدرةٌ على أن يصنع حظَّه؛ فتراهُ يشتهي الممنوع ويرغب فيما ليس هناك سبيلٌ للوصول إليه والحصول عليه. فكان أن نشأ “الحب” ليتوارى من وراء حجابه وأكمته هذا الإنسان الذي اضطُر إلى اختراعه ليداري عجزه عن تحقيق مبتغاه. فـ “الحب” ما كان ليكون له من وجودٍ في عالم الإنسان لولا هذا الذي حال بين الإنسان وبين ما “يحب” من عوائق حظرت عليه الوصول إلى “المحبوب”.
لقد عقَّد الإنسان كل شيءٍ شاء القدر أن يعترض سبيله. وبذلك يكون “الحب” واحداً من أبرز ما يمكن الاستدلال به على لا طبيعية الإنسان وعلى انتفاء انتمائه للطبيعة التي ليس فيها كل هذا التعقيد الذي يتناقض مع واحدٍ من أهم قوانينها الإلهية، ألا وهو قانون “الاقتصاد”. فـ “الحب” خرق فاضح لهذا القانون الذي جعله الله ضابطاً لإيقاع كل ما يحدث في الطبيعة حتى لا يكون هناك هدرٌ ولا إسرافٌ ولا تبذير ولا تبديد لما هو ثمينٌ من المادة البايولوجية والطاقة البايولوجية.
لقد خُلق الإنسانُ كياناً شقياً مُعذَّباً مادام القلبُ منه عاجزاً عن أن يكون في مقام “أحسن تقويم”؛ هذا المقام الذي كان ليجعل منه قادراً على أن يُسمِّي الأشياء بمسمياتها، وعلى أن ينظر إلى الأحداث فلا يتوهم ما ليس له وجود فينشغل به عنها. إن “الحب” هو هذا التخريج الميتافيزيقي لعجْز الإنسان عن أن يكون متوافقاً مع أمه الطبيعة توافق سلفه الحيوان. ولذلك كان “الحب” واحداً من أفدح الويلات التي جرَّها الإنسان على نفسه بهذا الانحراف عن جادة الطبيعة السوية إلى وهاد وغياهب الخيال والخبال.
