أحسن القصص وأحسنها قصة

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

الرحمن علم القرآنيُقال إن هناك جانباً من الحقيقة في كل قصة. فكلُّ قصة من القصص التي يتناقلها بنو آدم فيها من الخيال ما يفوق ما فيها من الحقيقة. وحده القرآن العظيم جاء بقصصٍ ليس فيها من الخيال شيء. كما ويخطئ من يظن أن في هذه القصص القرآنية رمزيةً ينبغي أن يُحار في تأويل دلالاتها عوض الانشغال بالتأويل الحرفي لما جاءت هذه القصص به. فالقرآن العظيم كتابُ حقائق؛ وإذ هو كذلك، فلا ينبغي لنا أن نتوقع منه خلاف ذلك. ولذلك يخطئ كلُّ مَن يحاول أن يتطاول على نَص القرآن العظيم بزعم وادعاء أن فيه ما يحتمل أن يُؤوَّل على هذا الوجه أو ذاك مما له علاقة بما يتجاوز حرفية النَّص إلى ما يمكن أن تُفضي إليه الرموز التي يُظَنُّ أنه يحويها. فالتأويل الرمزي للقرآن العظيم مبحثٌ خيالي لا ينبغي لنا أن نشجِّع على الخوض فيه. والقرآن العظيم ليس بكتابٍ يُحيِّر قارءه فيجعله في حيرةٍ من أمره حيال ما يحويه من نصوصٍ يُظنُّ أنها تحتوي على رموزٍ تحتملُ هذا المعنى أو ذاك! فلا رمزَ هناك في القرآن العظيم؛ إذ أن كل ما فيه عباراتٌ صريحة لا تحتمل إلا معنىً واحداً محدداً. وأيُّ تفسيرٍ للقرآن العظيم له أن يجتهد في مقاربة هذا المعنى الواحد المحدد مقاربةً لا تبتعد كثيراً عن جوهره، بل لها أن تضيف أبعاداً لهذا المعنى تُعين على تجلِّيه بأوضح بيان وأجلى صورة.
والقصص القرآني هو أحسن القصص، لأنه لا ينطقُ إلا بالحق ولا يحومُ في لفٍّ ودوران حول ما يروم أن يقوله! وهكذا، كان هذا القصص عبارةً عن الحقيقة التي حدثت نقلها إلينا هذا القرآن بحذافيرها كما حدثت دون زيادةٍ أو نقصان. وأنتَ لستَ بواجدٍ في غير هذا القرآن ما يمكن أن يضاهيه قصصاً مادامت تلك القصص التي أوردها غيره من الكتب لا قيام لها إلا على أساسٍ من الطرح والإضافة وفقما تشتهيه الأنفس وتأمر به الأهواء. فمادام القاصُّ هو الله، فليس لك أن تتوقع أن تجيءَ قصصُه تعالى إلا ناطقةً بالحق دون أن تشوبه شائبة من زيادة، ودون أن ينقصه شيء.
ولقد ذكر القرآن العظيم قصة سيدنا يوسف عليه السلام مثالاً على ما جاء به من أحسن القصص. فكل روايةٍ لهذه القصة، خلا ما رواه القرآن العظيم، فيها من الحقيقةِ شيء، وفيها من الخيال أشياء. ولذلك فلن يكون بمقدورك أن تخلص إلى الوقوع على الحقيقة بشأن ما حدث لسيدنا يوسف عليه السلام إلا بأن تستعين بالقرآن العظيم الذي وحده يقص هذه القصة كما حدثت فعلاً.
والقرآن العظيم فيه من أحسن القصص الكثير. وأحسن قصص القرآن العظيم هي في رأيي قصة سيدنا آدم عليه السلام، وذلك لأنها قصةٌ ممتدة التأثير إلى يوم القيامة، كما أنها أقدمُ القصص البشرية. فنحنُ ما أصبحنا بشراً إلا بسببٍ مما حدث لآدم عليه السلام. ونحنُ إذا ما أردنا أن نتعرَّف إلى مشكلتنا الإنسانية تحديداً لعلَّتها وإحاطةً بجوانبها ووقوعاً على علاجها، فليس لنا إلا أن نقرأ قصة سيدنا آدم عليه السلام في كتابٍ لا ينطق إلا بالحق فلا خيالَ ولا نقصان. ونحنُ إذا ما تدبَّرنا ما جاء به القرآن العظيم من خبرٍ يخصُّ آدم عليه السلام، فسوفَ نقعُ على الكثير مما يُعين على أن نتعرَّف إلى أنفسنا تعرُّفاً ما كان لنا أن نحصل عليه لولا ما جاءنا به هذا القرآن من الحق الذي لا مراء فيه. وقصة آدم عليه السلام لنا أن ننتفع بها فنتعلم منها الشيء الكثير. فآدم عليه السلام لم يكن لِما أقدم عليه من عصيانٍ أن يؤثِّر عليه وحده فلا يتعداه، مادام هذا العصيان قد نجم عنه ما تسرَّب إلى ذريته كلها جميعاً إلى يوم القيامة. وبذلك يكون كل فردٍ من أفراد الجماعة الإنسانية ملزماً بأن يقرأ قصة آدم عليه السلام كما وردت في القرآن العظيم ليعرف عن نفسه ما لم يكن ليعرفه لولا ماجاء به هذا القرآن. وهذا الذي بإمكانه أن يقع عليه من حقيقةٍ تخصُّ ما حدث لآدم عليه السلام على وجه الحقيقة، كفيلٌ بأن يُعينه على أن يفقه الكثير بشأن ما يصول ويجول داخلاً منه وحواليه.
وهكذا تبرز قصة آدم عليه السلام كأحسن قصة في هذا القرآن الذي جاء بأحسن القصص.

أضف تعليق