بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
حيَّر الإنسانُ دارسيه؛ فمنهم من وصفه بأنه “حيوان عاقل”، ومنهم مَن أشار إليه بأنه “حيوان ناطق”، وآخرون اكتفوا بوصفه بأنه “حيوان اجتماعي”. والحقيقة أن هذه كلَّها لا تفي الإنسانَ حقَّه ومستحقه من التعريف بما هو عليه حقاً وحقيقة. فأنت إذا ما وضعتَ الإنسان تحت مجهرٍ افتراضي، فلن تعجز عن أن تتبيَّن فيه خصيصةً تفرَّد بها وتميَّز، متناشزاً عن باقي الكائنات الحية البايولوجية. وهذه الخصيصة التي انفرد بها الإنسان هي عدم قدرته على قبول الواقع كما هو؛ فتراهُ يُضيف إليه ويُنقِص منه وبما يجعل من هذا الواقع معقولاً لديه. وهذا الذي يقوم به الإنسانُ من تكييفٍ للواقع ليغدو مستساغاً لديه، هو فعلٌ يتناقض مع ما ينبغي أن يكون عليه التفاعل ما بين مفردات الطبيعة. فكل الكائنات الحية في الطبيعة تتفاعل مع محيطها وبيئتها تفاعلاً فيزيقياً يجعلها لا تضيف إليه ولا تُنقص منه شيئاً، وذلك وفقما يقضي به واحدٌ من أهم قوانين الحياة البايولوجية، ألا وهو قانون الاقتصاد في الصرف والإنفاق. فالكائن الحي البايولوجي لا تسمح له الطبيعةُ بأن يُسرف في إنفاقه من الطاقة البايولوجية الثمينة فيكونَ تعاملَه المعرفي مع واقعه وبيئته موصوفاً بالهدر والتبذير إذا ما هو بالغَ في الحدس والتقدير، إلا الإنسان الذي لا يستطيع أن يقارب الواقع إلا مقاربةً ميتافيزيقيةً تُغدِق عليه ما ليس فيه، وتُصيِّرُه وتُكيِّفُه حتى يصيرَ بالصورة التي تتفق وتتجانس مع مقتضيات عقله الذي يميلُ إلى الخيال أكثر من ميله إلى الواقع لفرط ما يعجزُ عنه هذا العقل من الانضباط والتقيُّد بقوانين الانتماء للطبيعة، مادام الانسانُ قد شذَّ عنها منذ آمادٍ بعيدة.
وهكذا كانت كلُّ مقاربات الإنسان لواقعه وبيئته مشوبةً بما يجعل منها مفارِقةً لما هو فيزيقي فيها إلى ما هو ميتافيزيقي، وبالتالي يفشل الإنسان في معرفةِ الواقع على ما هو عليه. ولقد انعكست هذه المقاربة الميتافيزيقية على علاقات البشر البينية، فكان أن عزَّزت من الخراب الذي جُبلت عليه، فكان أن تمَّ تأصيل سوء الظن والشك والارتياب وغيرها من الآفات النفسية، فجعل الإنسان منها أدواته التي لا قدرةَ له على التعايش مع غيره من البشر دون استخدامها.
إلا أن هذه الميتافيزيقية، التي هي قدَر الإنسان، لها أن ترتقي به إلى مصافٍ حميدة إذا ما هو استعانَ بها في الرحلة على طريق الله تعالى، وذلك لأن هذه الرحلة هي عينُ ما يتوجَّب عليه القيام به امتثالاً لما خُلِق ليؤدِّيه، مادام خالقه تعالى قد خلقه لعبادته وليس لشيءٍ آخر. فكما أن الميتافيزيقا البشرية هي علةُ شقاء الإنسان، إذ تجعله يُفلسِف ما هو بسيط ويبسِّط ما هو ليس كذلك، فإنها أيضاً السبب في سعادته في الدنيا والآخرة إذا ما تمكَّن هذا الإنسان الشقي من اطِّراح ما هو خبيثٌ منها، لينتفع بما هو حميدٌ منها في رحلته إلى الله تعالى؛ فليس كل ما في ميتافيزيقا الإنسان ما ينبغي اطِّراحه والتخلُّص منه، مادام فيها ما يمكن أن يُصيَّر وقوداً يدفعُ به ليرتقي على طريق الله تعالى إلى أعلى المقامات: مقام أحسن تقويم.
