مريم عليها السلام التي توفاها اللهُ إنساناً في أحسن تقويم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

مريمتُمثِّل السيدة مريم عليها السلام نموذجاً ومثالاً للإنسان الذي جاهدَ في الله حقَّ جهاده فنجحَ في الوصول إلى مقام أحسنِ تقويم، فكانت بذلك القدوة التي ينبغي على كل مؤمن ومؤمنة أن يقتدي بها ليفوزَ بالسعادة في الدارين. تدبرَّ الآيتين الكريمتين من سورة التحريم (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)).

وقصة سيدتنا مريم عليها السلام تستحق أن تُتابَع منذ صفحاتها الأولى. تدبَّر الآيات الكريمة من سورة آل عمران: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35)فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36)فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)).

فوالدة السيدة مريم عليها السلام لم تكن تدري أن ما في بطنها أنثى، إذ نذرت أن يكون وليدها مُحرَّراً من كل ما ينشغل به الناسُ عادةً فيتفرَّغ لعبادة الله تعالى. إلا أنها فوجئت بأنها وضعت أنثى، فكان أن تحيَّرت كيف لها أن تفي بنذرها، ولم يدر بخَلدها أن هذه الأنثى ستُقبِل طواعيةً على التفرُّغ لعبادة الله تعالى دون أن يكون في الأمر ما يُلزِم إجباراً وقسراً. فلقد اختارت سيدتنا مريم عليها السلام الانقطاعَ إلى الله تعالى تتعبَّده متبتِّلةً إليه، منقطعةً عن الناس. فكان فيما قامت به عليها السلام، اختياراً وتطوعاً، ما كان ليقوم به الذكرُ، الذي ظنت والدتُها أنها تحمل به، كرهاً وأمراً. فلقد اختارت السيدة مريم عليها السلام أن تتفرغ لعبادة الله تعالى وكانت هي في حلٍّ من ذلك، مادامت والدتها لم تكن قد نذرتها لله تعالى. ولقد تكفَّل اللهُ بهذه الطفلة المباركة فكفَّلها سيدنا زكريا عليه السلام، وتعهَّدها تعالى فأنبتها أحسن النبات. إلا أن هذا كله لم يكن ليجعل من السيدة مريم عليها السلام تبلغ مقام أحسن تقويم إلا بعدَ مجاهداتٍ ومكابداتٍ كان أشقَّها ما حدث لها بحملها ووضعها سيدنا المسيح إبن مريم عليه السلام. والدليلُ على ذلك أنها، وفي خضم مخاضها، نطقت بكلماتٍ ما كانت لتنطق بها لو أنها كانت قد بلغت مقام أحسن تقويم (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) (23 مريم). إلا أن امتثالها لأمر الله تعالى وصبرها واصطبارها، كان له أن يجعل منها ما أصبحت لاحقاً عليه، إنساناً في أحسن تقويم، فقدَّمت بذلك الدليل والبرهان على أن بوسع الإنسان أن يجتهد فيصل إلى أعلى الرتب والمقامات.

أضف تعليق