نفْس الأنثى وإرادة النوع

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ego
الإنسان حيوانٌ غيرُ طبيعي. قد تبدو هذه العبارة غريبةً بعض الشيء وصادمةً في الوقت ذاته، ولكن الحقيقة إذ هي أغرب من الخيال، فإنها دوماً هذه هي مواصفاتها. فلقد تحدثتُ كثيراً عن الماضي الحيواني للإنسان والذي لا يجادل فيه إلا جاهلٌ أو مُلاجج. والإنسان، إذ هو ذو ماضٍ حيواني ضاربٌ في القِدَم، فإنه، وبسببٍ مما حدث له خلال مسيرته التطورية الطويلة، قد انحرف عن مسار الطبيعة وشذَّ عنها فكان محتوماً عليه أن يتناشز مع إرادتها التي خلقها اللهُ تعالى بها. وكان أن جعل هذا من الإنسان يشذُّ عن باقي كائنات الطبيعة من نباتٍ وحيوان، فأصبح غيرَ قادرٍ على أن يمتثل لإرادة الله تعالى التي جعلت الطبيعة تريدُ من أفراد الأنواع البايولوجية تمام التقيُّد ببرنامجها التصميمي الذي خُلقت لتنفِّذه. وإن نحن شرعنا في تعداد وتبيان ما شذَّ به الإنسان عن الطبيعة التي منها انبثق ونشأ، فلن يكون بمقدورنا أن نحصي هذه التناشزات لفرط كثرتها. ولعل واحداً من أبرزها وأهمها هو ما جعل من الإنسان عاجزاً عن أن يكون متماهي الإرادة مع إرادة الطبيعة. فالحيوان لا إرادةَ له غير ما تريده الطبيعة الطائعة المطيعة لله تعالى الذي أرادها أن تنفِّذ إرادته القاضية بأن تغزو الحياة البايولوجية كوكبنا هذا. والحيوان، إذ هو منتمٍ إلى الطبيعة مائة بالمائة، فإنه في توافقٍ تامٍ معها، وتناغمٍ وانسجام لا يمكن للمتفحِّص بعينٍ متأنيةٍ ألا يلحظ تجليات هذا التوافق التام مع الطبيعة. أما الإنسان، فلقد عادَ عليه شذوذه عن الطبيعة وتناشزه مع برنامجها التصميمي بكل ما جعل منه مفارقاً لماضيه التطوُّري ولما كان عليه أسلافُه الأوائل.

لقد جعل هذا الشذوذ من الإنسان حيواناً فاقد الصلة والاتصال بأمه الطبيعة، وإلى درجةٍ يصحُّ أن تصفه فتقول عنه إنه إبنها العاق. إن عقوق الإنسان هذا متجلٍّ أيما تجلي في تفرُّده بهذه النزعة الاستقلالية التي لك أن تصف بها ما أضحى عليه الإنسان إذ تفرَّد ببرنامجٍ مستقلٍّ عن البرنامج التصميمي الذي خلق اللهُ تعالى الطبيعة لتنفِّذه. وكان أن انعكس هذا على الإنسان بأن أصبح ذا إرادةٍ مستقلةٍ متناشزةٍ مع إرادة أمه الطبيعة. فإذا كانت الطبيعة تروم من وراء فعاليات أفرادها من نباتٍ وحيوان أن تحقق إرادة الله تعالى بأن تغزو الحياة البايولوجية كوكبنا هذا، فإنها قد فرضت على أفرادها وجوب الالتزام بنشر المادة البايولوجية لتعم هذا الكوكب. وهذا ما جعل من الفرد في الطبيعة ملزَماً بالسعي ليعيش وفق مقتضيات برنامج الطبيعة. وكان أن تجلى هذا التقيُّد والالتزام من قبل كائنات الطبيعة في سعيهم الدؤوب لتكثير أفراد الأنواع كلها جميعاً. ولأن الطبيعة ملتزمةٌ بقانونٍ إلهي ما كان لها أن تحيدَ عنه، فلقد جعلت من تنفيذ الأفراد لما كُلِّفوا به من مهمة مقيداً بضابطٍ ينظِّم أفعالهم التي صُمِّمت وفق مقتضيات برنامجها التصميمي. وهذا الضابط المُنظِّم للفعل الحيواني والنباتي هو ما أطلقتُ عليه في أكثر من منشور بـ “الاقتصاد في الصرف” والذي ملخصه هو أن الانفاق في الطبيعة لا يمكن أن يكون إلا مقيداً. وهذا التقييد قد حتَّم أن يكون التزاوج محكومٌ بأن لا يتصف بما من شأنه أن يُخلَّ بما يقضي به الاقتصاد في الصرف إنفاقاً دون حسيبٍ ولا رقيب، فكان أن فُرض تعدد الزوجات قانوناً ضمنت به الطبيعةُ أن يتحقق لها هذا الانتشار لمادتها البايولوجية بأقل ما يمكن من الصرف؛ إذ لم تجعل من عدد الإناث مساوياً لعدد الذكور مادام بالإمكان تقليل الذكور إلى أدنى حدٍّ ممكن.

وكنت قد تحدثت في أكثر من منشور عن أن البضاعةَ الأثمن في عين الطبيعة هي الأنثى، مادام كان في الإمكان التقليل من عدد الذكور والإكثار من عدد الإناث بغية تحقيق المراد الذي قضت به الإرادةُ الإلهية. وهذا ما بإمكاننا أن نجده في الطبيعة، حيث شِرعة تعدد الزوجات قائمةٌ منذ ملايين السنين. وإذا ما نحن تدبَّرنا عالم الإنسان، الذي أفضتُ في الحديث عن شذوذه عن الطبيعة وتناشزه معها، فماذا نحن واجدون؟

لقد تفرَّد الإنسانُ بإرادةٍ مستقلةٍ عن إرادة النوع، التي هي مرآة لإرادة الطبيعة التي جعلها اللهُ تريد ما يريده تعالى. وكان من جراء تميُّز الإنسان بهذه الإرادة المستقلة أن أصبح غير مبالٍ ببرنامج الطبيعة التصميمي، مادام قد أصبح منفصلاً عنها متناشزاً مع برنامجها غير واعٍ بإرادتها. ولعل أبرز ما يمكن أن يؤتى به دليلاً على هذا الاستقلال الإنساني عن الطبيعة هو عدم التزام الإنسان ببرنامجها التصميمي المستند إلى ضابطه المنظِّم لعمليات التزاوج بِنيَّة التكثير، ألا وهو الاقتصاد في الصرف. فأنثى الإنسان، إذ هي بشرٌ، منقطعة الصلة بالطبيعة مادامت إرادتها ليست متماهيةً مع إرادة الطبيعة، تطابقاً وتوافقاً. ولا أدل على لاطبيعية الإنسان من أن أنثاه قد أصبحت ذات إرادة مناقضة لإرادة أمها الطبيعة، فأصبحت لا تروم ما ترومه أمها الرؤوم هذه. فلقد كان من نوازل الشذوذ الإنساني عن الطبيعة أن تفرَّد الإنسان بنفسٍ أبيةٍ حرون متمردة ذات إرادة غير طبيعية. وأنثى الإنسان أكبرُ دليلٍ على هذا الذي تفرَّد به الإنسان بنشوزه عن الطبيعة. فلو كان الإنسان غير متناشزٍ مع الطبيعة، فلمَ لم تكن أنثاه بقادرةٍ على أن تمتثل لإرادة الطبيعة القاضية بتقليل وتقنين الصرف على عمليات التزاوج والتكثير بنيَّة الانتشار؟ فلو كان الإنسان طبيعياً لكانت أنثاه موافقةً للطبيعة فلم تكن حيزبوناً دردبيساً تفترض لنفسها تسلُّطاً على الطبيعة تطالب بموجبه من ذكرها أن لا يمتثل لإرادة الطبيعة القاضية بفرض شرعة تعدد الزوجات تقليلاً للإنفاق وفق ما يقضي به قانون الاقتصاد في الطبيعة.

إن هذا المنشور ليدعو إلى مراجعةٍ نقدية لمعتقداتنا عن الحب والجنس والزواج، وذلك على ضوء ما تفرَّد به الإنسان من إرادةٍ مستقلة عن إرادة أمه الطبيعة تفرُّداً جعل منه غير واعٍ لما خلقها اللهُ تعالى لتنفِّذه، فأصبح بالتالي مشغولاً بتنفيذ برنامج آخر لا علاقة له بالطبيعة. إن إنسان حضارتنا المعاصرة يظن أن من الطبيعي أن يفعل كذا وألا يفعل كذا، وهو لا يدري أنه لا يمكن بحال أن يكون “طبيعياً” مادامت إرادته غير متوافقةٍ مع إرادة الطبيعة.

إنني لا أدعو في هذا المنشور إلى التوافق مع الطبيعة، لأن هذا أمرٌ قد فات أوانه؛ فالإنسان قد أصبح ملزماً بأن يتقيَّد ببرنامجٍ آخر، هذا إذا ما أرادَ أن يفلت وينعتق من ما جرَّه عليه شذوذه عن الطبيعة وتناشزه معها. وهذه قصة أخرى سوف أعودُ إليها إن شاء الله في منشور لاحق.

One comment

أضف تعليق