بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
دعا سيدنا سليمان عليه السلام ربَّه عز وجل بأن يهبه مُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وذلك كما علَّمنا القرآن العظيم، حيث ذكر عنه عليه السلام: (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَاب. قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّاب. فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَاب. وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاص. وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَاد. هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَاب. وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب) (40-35 ص)
فما الذي كان يقصده سيدنا سليمان عليه السلام بدعائه الله تعالى هذا؟ قد يظنُّ البعض أن سيدنا سليمان عليه السلام كان يريد أن يتفرَّد ويتميَّز بمُلكٍ لا يكون لأحدٍ من بعده. وهذا لا يمكن أن يُتوقَّع ممن وصفه الله تعالى في قرآنه العظيم بأنه “نعم العبد” (وَوَهَبْنَا لِدَاوُدَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّاب) (30 ص). لقد أدرك سيدنا سليمان عليه السلام أن كل ما أنعم اللهُ تعالى به عليه إنما كان فتنةً له هل يشكر أم يكفر؟ (فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) (19 النمل)، (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيم) (40 النمل).
ولأن سيدنا سليمان عليه السلام كان يخاف على من سيجيء من بعده خلفاً له أن لا يجتاز الاختبار بنجاح فيكفر عوض أن يشكر، فقد حرص على أن يدعو الله تعالى أن لا يجعل ما ابتلاهُ به من مُلكٍ عظيم يؤول أمرُه من بعد أن يتوفاه الله تعالى إلى خلَفه هذا. إذاً فهذا حرصٌ جميلٌ من سيدنا سليمان عليه السلام على مَن سيرثه من بعده حتى لا ينتهي به الأمرُ إلى كفرٍ يعاقَب عليه دنيا وآخرة. وهو في هذا قد سنَّ سُنةً لم يأخذ بها أحدٌ من بعده إذ لم يحرص مَن جاء بعد سيدنا سليمان عليه السلام من الملوك إلا على أن يوَّرثوا خلَفَهم كل ما اقتنوه. وما ذلك إلا لأن واحدهم ما كان يرى في هذه المقتنيات ما كان يراه فيها سيدنا سليمان عليه السلام. فكل نعمةٍ أنعمها اللهُ تعالى على سيدنا سليمان كانت في نظره عليه السلام ابتلاءً خافَ على مَن سيجيء من بعده أن يفشل فيما نجح هو فيه. وهذا الحرص من لدن سيدنا سليمان عليه السلام على ألا يفشل خليفتُه من بعده فيما نجح هو فيه، لَيكفي سبباً لأن يكون سيدنا سليمان عليه السلام نِعم العبد؛ إذ تجلى في هذا الحرص ما كان يشغله عليه السلام طيلةَ حياته، وهو أن يكون الله حاضراً على الدوام ماثلاً أمامه ينظر إليه تعالى حتى لكأنه يكاد يراه.
