المسيح عليه السلام الذي ولد إنساناً في أحسن تقويم

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تدبَّر هذه الآيات الكريمة من سورة مريم عليها السلام (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30)وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32)وَالسَّلَامُ عَلَيَ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33)).

christ birth

من بين كل بني آدم ينفرد سيدنا المسيح عليه السلام بكونه الطفل الذي وُلِد إنساناً في أحسن تقويم. ولقد عادت عليه خِلقتُه العجائبيةُ هذه بأن ميَّزه اللهُ تعالى بعدم القدرة على اقتراف المعاصي والوقوع في الذنوب. فكان سيدنا المسيح عليه السلام الوحيد من بني آدم ممن لا ذنب له على الإطلاق. وهذا تقدير العزيز الحكيم عز وجل الذي شاءت إرادته أن يخلق إنساناً بشراً من بني آدم خلواً من الذنب. لقد كان سيدنا المسيح عليه السلام بحق إنساناً عجيباً غريباً إذ خلقه اللهُ تعالى إنساناً كاملاً في أحسن تقويم دون أن يضطر إلى خوض ما يتطلبه هذا من مجاهداتٍ ومكابداتٍ ومشاق وعباداتٍ كلُّها صبرٌ واصطبارُ وحُسن ظن. فالرحلة إلى الإنسان الكامل، وإلى مقام أحسن تقويم، عسيرةٌ شاقةٌ مُجهدةٌ لا يستطيع أن يتحملها إلا من تعهَّد نفسه بممانعتها ومناكفتها ومجاهدتها حتى يُمكِّنه الله تعالى منها فيحكمها من بعد أن يكون قد بذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق ذلك. ولكن سيدنا المسيح عليه السلام لم يكن بعيداً عن الصلاة والزكاة التي أوصاه ربُّه عز وجل بها مادام حياً.

ولعلك تسأل عن العلة وراء صلاته وزكاته عليه السلام، وهو لم يكن ليحتاج هكذا عبادات ليغفر له بها اللهُ تعالى ذنوبه التي ما كان على شيء منها مادام قد وُلِد إنساناً كاملاً في أحسن تقويم مباركاً أينما كان. والعلة في هذا أن سيدنا المسيح عليه السلام كان نبياً مُرسلاً، وهو لذلك لم يكن إلا ليُمثِّل لقومه القدوة الحسنة التي ينبغي لهم أن يقتدوا بها؛ فلا يعقل أن يأمرهم بالصلاة والزكاة وهو لا يؤديهما. والأمر الذي تتوجب ملاحظته هنا أن سيدنا المسيح عليه السلام لم يقل (وأمرني) ولكنه قال (وأوصاني). والفرق جد واضح.

ولعلك تسأل أيضاً عن العلة وراء استنثاء سيدنا المسيح عليه السلام مما كان قدراً مقدوراً على باقي بني سيدنا آدم عليه السلام كلهم جميعاً. فلماذا تفرَّد عليه السلام بعدم القدرة على اقتراف المعاصي والوقوع في الذنوب؟ والإجابة على هذا السؤال تستدعي استحضار وتذكُّر حقيقة الحمل به عليه السلام. فأمه مريم عليها السلام لم تحمل به كما تحمل النساء؛ فلقد كان حملها عجائبياً غرائبياً، وذلك بجبروت كلمة “كُن” الإلهية. وهذا يعني أنه عليه السلام حُمل به دون أن يكون هناك من دورٍ لمادة الأب في تخلُّقه. وهذه المادة كانت لتجعل منه ملتاثاً شأنه شأنَ كل ابنٍ لآدم عليه السلام منذ أن أكل هو وحواء من تلك الشجرة المحرَّمة.

والآن حان وقت العودة إلى الجنة التي أُخرِج منها أبوانا جراء أكلهما ذاك. فاللهُ تعالى، وقد تابَ على أبوينا من بعد أكلهما من الشجرة المحرمة، فإنه لم يكن ليدعهما يبقيان فيها، ليس لأنه يتوجَّب عليه أن يعاقبهما على عصيانهما، ولكن لأن ذريتهما كان قد تسرَّب إليها، جراء تلك الأكلة، ما كان سيجعل منها ملتاثةً بلوثةٍ لا يمكن للجنة أن تتحمل نتائجها الكارثية التي قُدِّر لكوكبنا الأرضي هذا أن يشهد تجلياتها وتفاعلاتها المدمِّرة. فالأكل من الشجرة المحرَّمة لم يصب المادة الوراثية لحواء، إذ لم يقدَّر له أن يتسرب إليها. أما آدم، فلقد تسرَّبت إليه اللوثة فجعلت من هذه المادة ملتاثةً وبما لا يمكن إلا أن ينشأ عنها أفرادٌ ملتاثون عليهم أن يجاهدوا ويكابدوا حتى يتسنى لهم التخلُّص من آثارها الكارثية المدمِّرة. والآن إذا ما أنت تساءلت “ولماذا لم يُبقِ الله تعالى على حواء في الجنة إذا لم تكن تلك اللوثة بقادرةٍ على أن تلوِّث مادتها الجينية فتجعل من ذريتها كائناتٍ ملتاثة”، يكون الجواب هو أنها كانت تحمل في بطنها على الأقل جنيناً ذكراً. وهذا الجنين الذكر تسرَّبت إلى مادته الوراثية تلك اللوثة التي نجمت عن أكلها من الشجرة المحرَّمة.

إذاً فهذا هو قدرُنا نحن الذكور من بني آدم. أما إناثنا، فقد شاءت إرادة الله تعالى أن لا يكون بمقدورهن أن يورِّثن ما التثنَ به من لوثةٍ جراء كونهن بناتٍ لآدم عليه السلام. وهنا نعود إلى قصة سيدنا المسيح عليه السلام من بعد ما تبيَّنت لنا العلة وراء تميُّزه وتفرُّده، وبما جعل منه يولد إنساناً كاملاً في أحسن تقويم.

One comment

أضف تعليق