بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

إن دراسةً متدبرةً لما جاء به دين الله تعالى كفيلةٌ بأن تجعلك تدرك كم هو شاقٌ وعسير الطريق الذي يتوجب عليك أن تنتهجه فتسلكه لتُدخَل الجنة، وكم هو مُيسَّرٌ الطريق الذي يدعوك جُلُّ ما حولك إلى انتهاجه وأنت في غفلةٍ عن كونه طريق جهنم المفضي بك إلى الخلود في النار أبدَ الآبدين. فإذا كانت الجنة عسيرةَ المنال صعبةً فلا يدركها إلا من تعهَّد نفسه بمخالفتها وبأخذها بالشدة والحزم تطويعاً لها وترويضاً، فإن النارَ بالمقابل لا تطالبك بغير أن توافق نفسك فلا تخالفها وتطيع هواك فلا تعصيه؛ وما أيسر هذا وذاك على الإنسان الذي ليس بأشق عليه من أن يكون غير مطيع لأهوائه وما تدفع به وتزجُّ إليه.
إن النار لا تحتاج لكي يُزَج بك فتُلقى فيها إلا أن لا تبذل أيَّ جهدٍ يزحزحك عنها، بينما إذا كانت الجنةُ مطمحك ومرادك فلن تُبلَّغ هذا إلا بأن تجاهد نفسكَ فتُجهدها وتُتعبها حتى تتمكَّن منها فلا يعود لها من سطوةٍ عليك توجِّهُك أينما شاءت؛ وهذا أمرٌ يتطلَّب منك أن تلتزم بمنهاجٍ تعبُّدي صارم لا قِبَل لأغلب الناس به لفرط تناشزه مع ما جُبلت عليه نفس الإنسان من إباءٍ وحرونة. فما أيسر الدخول إلى النار بهذه النفس التي ابتُلينا بها مادامت لا إرادةَ لنا في عصيانها والتمرُّد عليها، وما أعسر الدخول إلى الجنة وقد جُبلنا على خوضِ معركةٍ يتطلب النصرُ فيها على النفس أن لا تسمع لها مهما علا صراخها وعويلها الذي تنشقُّ له الآذان.
وإذا كانت جهنمُ محيطةً بالإنسان في هذه الدنيا إحاطةً ميتافيزيقية، فإنها ستحيطُ به في الآخرة إحاطةً فيزيقيةً له أن يعاني منها الأمرَّين إلى أبد الآبدين. وهذه الإحاطة هي التي وصفها حضرة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عندما قال: “وحُفَّت النار بالشهوات”. أما الجنة، فإنسانُ هذه الدنيا لا إرادةَ له في أن يتمثَّلها تمثلاً ميتافيزيقياً مما سيجعل منها تزدادُ عنه ابتعاداً حتى إذا ما جاءت الآخرةُ ما كان له أن يدخلها، وصدق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ وصف الجنة فقال عنها إنها “حُفَّت بالمكاره”.
ولأن النارَ مُيسَّرٌ الدخول إليها، والجنةَ مُعسَّرٌ الدخول إليها، فليس هناك أمام الإنسان ذي الإرادة من سبيلٍ غير أن يعملَ ويأمل أن يُزحزَح عن النار فيُدخَل الجنة مادام اللهُ هو الرب الرحيم المفضال الذي لا يُضيعُ أجر المحسنين الذين عبدوه في الدنيا بالغيب، رجاءَ أن يُنعِم عليهم تعالى بالنجاةِ من النار وبالفوز بالجنة.
