بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
إذا ما نحن انكببنا على كتب التاريخ تصفُّحاً وقراءةً ودراسة، فلن يكون بالعسير أن نتبيَّن حقيقةً صادمةً بشأن ما ورد فيها من معلوماتٍ ذات صلةٍ بما فعله الإنسان منذ خطواته الأولى على سطح هذا الكوكب. وهذه الحقيقة الصادمة هي أن معظم أحداث التاريخ كانت عبارةً عن المعارك والحروب التي خاضها بنو آدم بعضهم ضد بعض. فالقبائل تتحارب، وكذلك الممالك والامبراطوريات والدول، وذلك لأسبابٍ تعدّدت حتى أنك لتكادُ تعجب كيف أن الحربَ تنشب لأتفه الأسباب! وأنت لن تعجز عن أن تجد من علماء التاريخ مَن يعلل لهذه الحرب أو تلك من آلاف الحروب التي خاضها البشر فيما بينهم بأن العلة من ورائها كانت ذات صلة بالصراع على الموارد والنفوذ والسيطرة والتوسُّع وما إلى ذلك مما هو ذو صلةٍ بما جُبلت عليه نفس الإنسان من ولعٍ مَرضي بكل ما من شأنه أن يعزز من ظن الإنسان الواهم بأنه الإله الذي لا إلهَ سواه!
ولكن هل هذا السبب أو ذاك، من الأسباب التي يتذرَّع بها علماء التاريخ، هو حقاً ما دفع بالإنسان إلى قتل أخيه الإنسان بأبشع الوسائل ولأتفه الأسباب؟ إن التدبُّر المتأنِّي المتمهِّل في حال الإنسان ليُنبئ بأن هناك أمراً ما أعمق بكثير من هذا الذي توهَّم دارسوه أن بمستطاعهم أن يقعوا عليه بوساطةٍ من التدبُّر في ما يبدو عليه ظاهرُ أمور هذا الإنسان. فلا يعقل، وليس من المنطقي، أن تكون هذه الأسباب التي يتوسلها علماء التاريخ، إذ هم يعللون للحروب البشرية، هي ما جعل الإنسان يغرق الأرض بالدماء!
إن قراءةً لنصوص التاريخ، متعاليةً على ما يدفع به الهوى وتأمر به النفس، لهي كفيلةٌ بأن تجعلك متيقناً من أن الإنسان لا يعدم سبباً أو وسيلة ليبرر لنفسه أن يعتدي ظلماً وجوراً على أخيه الإنسان. فالكثير جداً من الصراعات والحروب خاضها الإنسان لأسبابٍ لا يمكن أن تكون كافيةً لتبرير المجازر البشعة التي تمخضَّت عنها هذه الصراعات والحروب. إن الاكتفاء بالنظر إلى واقع الإنسان، وذلك للتعليل لما جنته يداه بحق أخيه الإنسان من قتلٍ وتدمير، لا يمكن أن يصل بنا إلى الوقوع على العلة الكامنة الدفينة التي كانت من وراء حروب البشر. فإذا ما نحن أردنا أن نتبيَّن هذه العلة فلابد لنا من أن نصحِّح نظرتنا، وذلك بأن ننظر إلى الإنسان عوض واقعه. فالإنسان يكفي ليزوِّد دارسيه بكل ما هم بحاجةٍ إليه حتى يكون بمقدورهم أن يقرأوا تاريخه بعينٍ لا ترى إلا الوقائع والحقائق دون أن تخالطها شوائب من تسبيبٍ وتعليلٍ بغير السبب الواقعي والعلة الحقيقية. فهذا السبب، كما هي هذه العلة، لا وجود له خارج نفس الإنسان التي جُبلت على أن تفتعل الأسباب لتشن عدوانها الظالم على كل من تتوجَّس فيه ما تظن أنه يتهددها، وذلك بأي شكلٍ تمظهر به هذا التهديد.
إذاً فمربط الفرس هنا هو نفس الإنسان التي ينبغي لدارسيه أن يتوافقوا على أنها العلة وراء ما أضحى عليه واقعه سُقماً واعتلالاً. فلولا أن نفس الإنسان جُبلَت سقيمةً معتلة، لما كان لهذا الواقع أن يتشكَّل في تناغمٍ وتجانسٍ مع ما جُبلت عليه هذه النفس. فكل أسباب الواقع مجتمعةً لا يمكن لها أن تكون كافيةً للتعليل لبحور الدم التي أراقها هذا الإنسان جوراً وعدواناً ظالماً.
وإذا ما نحن استقرأنا القرآن العظيم بنيَّة الوقوع على ما يعين على فقه العلة التي جعلت من نفس الإنسان هذا هو شأنها، فلن يكون بالعسير علينا أن نتبيَّن ما جاءت به آياتٌ فيه كريمة بيَّنتها واضحةً جلية أن علة حياة الإنسان السقيمة على هذه الأرض هي ما تسبب به أكل أبويه من الشجرة المحرمة. فلقد كان من أول ما نجم من أضرار عن هذه الأكلة أن تم ترسيخ العداوة فيما بين بني آدم بعضهم البعض (قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (الأعراف 24).
إن هذا التعليل القرآني للعدوان البشري، بإرجاعه إلى هذه العداوة التي تم تأصيلها في جيناتنا بسببٍ من تلك الأكلة المحرمة، هو ما يكفل لنا أن نعيد قراءة كتب التاريخ فيكون بمقدورنا عندها أن نتبيَّن أن ما حوته من جرائم اقترفها الإنسان بحق أخيه الإنسان ما كان له أن لا يقترفها مادامت الغالبيةُ العظمى من بني آدم لم تفعل ما أمرها اللهُ به من تفرُّغ لعبادته تعالى، وبما كان سيتكفل بالحيلولة دون أن تكون لتلك الأكلة المحرمة أن تدفع بهم إلى الولوغ في دم بعضهم البعض حتى ولو كانت جيناتهم قد تضررت أيما تضرُّر جراء تلك الأكلة.
