بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يحفل القرآن العظيم بذكر قصص مَن أحياهم الله حياةً طيبة، وهؤلاء لا يمكن بحال أن تُقارَن حيواتهم بالحياة التي يعيشها الغالبية العظمى من بني سيدنا آدم عليه السلام. فحياةُ الإنسان كلها منغِّصاتٌ ونَكَد إلا ما رحم اللهُ تعالى. وإذا ما نحنُ تذرَّعنا بأسباب شقاء الإنسان على هذه الأرض فسوف تتعدَّد هذه بتعدد المقاربات التي لنا أن نتدبَّر بها حياته. فهو قد يشقى لهذا السبب أو ذاك من أسباب التعاسة والشقاء التي تفنَّن في تحديدها علماء النفس وعلماء الاجتماع. إلا أن التفحُّص المتأني لهذه الأسباب كلها جميعاً مُفضٍ لا محالة إلى حقيقةٍ مفادها أن شقاء الإنسان لا يمكن بحال أن يُعزى لأيٍّ منها مفردةً كانت أم مجتمعة. فالإنسان والتعاسة يتعايشان منذ بدء الزمان. وإذا ما نحن تفحَّصنا ملياً شقاء الإنسان، فلن يكون عسيراً علينا أن نتبيَّن استعصاءه على كل محاولةٍ منا لفقهه وبما يجعل منه معقولاً أو منطقياً. وهذا ما يجعلنا مجبرين على أن نصفه بما هو كفيلٌ بجعله يغدو واحداً من تلك الأمور التي لا تفسيرَ لها إلا بأن تُعزى إلى ما للقدر من يدٍ فاعلةٍ في حياة الإنسان. فشقاء الإنسان ظاهرةٌ لا يمكن لنا أن نعتبرها “طبيعيةً” وإن كانت منتشرةً عامة. فالطبيعة لا شقاء فيها. وهذه حقيقة بوسعك أن تقع عليها بتدبُّرك حيوات كائناتها كلها جميعاً، فلماذا انفرد الإنسان إذاً بهذا الشقاء؟
لابد وأن يكون في الأمر ما يستدعي أن نعود القهقرى إلى ماضي الإنسان نتفحَّصه محاولين أن نقع على الجواب، مادام حاضره عاجزاً عن أن يمدَّنا به. إن شقاء الإنسان ظاهرة غير طبيعية إذ لا يمكن للطبيعة أن تسمح بهكذا عناء لأيٍ من أفرادها يعانيه؛ فهذا إسرافٌ وترفٌ لا قِبل لها بهما. فكيف يكون الإنسان إبناً للطبيعة فيشقى كل هذا الشقاء وهي الأم الرؤوم التي ما رأينا منها إلا كل حنانٍ وبرٍّ بأبنائها كلهم جميعاً؟ إني واللهِ لأعجب للتطوريين الذين ما رأوا في الإنسان إذ نظروا إليه إلا إبناً للطبيعة شأنه شأن غيره من أبنائها من بني النبات والحيوان! فلا هو كان إبناً باراً بها، ولا كانت هي أماً رؤوماً له.
ومادمنا قد عدنا مجبرين إلى ماضٍ بعيدٍ للإنسان علَّنا أن نجد فيه ما يُعين على فقه علةٍ لشقائه الملازم له والمصاحب كظلِّه، ومادام هذا الماضي عاجزاً عن أن يمدَّنا بما ننشد، وذلك بسببٍ من تناشزٍ غامضٍ مبهم بين الإنسان والطبيعة، فلا مناص من أن نستعين بالقرآن العظيم علَّنا أن نقع فيه على هذه العلة المنشودة التي كانت من وراء شقاء الإنسان وتعاسته. لنتدبَّر الآيات الكريمة التالية من سورة طه: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا(115)وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى). إذاً ها قد بيَّنها جليةً واضحةً هذا القرآن إذ أرجع شقاء الإنسان علةً إلى خروجه من الجنة. فقدَر الإنسان هو الشقاء مادام قد فارقَ الجنة التي ما كان ليسعدَ إلا بعيشه فيها رغداً. وهذا ما بوسعنا أن نتثبَّت منه بكل يُسر. فأنت إذا ما أمَّنتَ للإنسان كلَّ ما يُظَنُّ أنها أسباب السعادة والهناء، فلن تستطيعَ أن تجعلَ منه إنساناً سعيداً. وهذا مردُّه إلى أن شقاء الإنسان ليس بمتسبِب به ما يُظن من افتقارٍ إلى الأسباب التي يُتوهَم أنها كفيلةٌ بجعله سعيداً. فعلَّةُ شقاءُ الإنسانِ إذاً قد بيَّنها قرآنُ الله العظيم بأن أرجعها إلى قدَرٍ إلهي لا مفرَّ له منه. ولكن هذه ليست الحقيقةَ كلَّها. فالإنسان الشقي قدَراً قادرٌ على أن يمحو هذا القدَر بقدَرٍ آخر؛ إذ لا يمحو القدرَ إلا قدَر. وهذا القدَر الجديد الذي بمستطاع الإنسان أن يتوسَّله سبباً وعلةً يمحو بهما قدَره التعيس الشقي هو ما بوسعنا أن نتبيَّنه بتدبُّرٍ متأنٍ للآيتين الكريمتين 123-124 من سورة طه صلى الله تعالى عليه وسلم: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123)وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى).
إذاً فاتباع هدى الله تعالى هو هذا القدَر الجديد الكفيل بتبديد علَّة شقاء الإنسان مادام شقاؤه قدراً لا يُمحى إلا بقدَر. إن أيَّ توسُّلٍ بأية أسبابٍ لتفسير شقاء الإنسان لن تصلَ بنا إلى نتيجةٍ نستطيعُ بعدها أن نصف له وصفةً بمستطاعه إن هو التزم بتنفيذها أن يتخلَّص من شقائه هذا. وهذا أمرٌ لابد لنا من أن نتبيَّنه على ما هو عليه حقاً وحقيقةً حتى لا نبدِّد الجهد والوقت فيما لا طائل من ورائه. فالطريق إلى زوال شقاء الإنسان هو ما حددته هاتان الآيتان الكريمتان ولا طريق آخر على الإطلاق.
إن حياةَ مَن التزم بما جاءت به هاتان الآيتان الكريمتان كانت بحق ليست كمثلها حياة؛ حتى أن اللهَ تعالى وصفها بأنها حياةٌ الطيبة (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُون) (97 النحل). والحياة الطيبة هذه تجد عليها أمثلةً في عموم القرآن العظيم متمثلةً في حياة الأنبياء عليهم السلام والصالحين من ذكرٍ وأنثى. وهذه الحياة ظاهرةٌ خارقةٌ بحد ذاتها، وذلك لأنها تتناقضُ مع ما نراهُ من “حياة” يعيشها باقي بنو سيدنا آدم عليه السلام من ذكرٍ وأنثى؛ هذه “الحياة” التي لا قيام لها إلا على أساسٍ من المعاناة والتعاسة والشقاء. والفرق بين “الحياتين” أشارت إليه الآية الكريمة 21 من سورة الجاثية (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ). فحياةُ الذين اجترحوا السيئات هي بالنتيجة حياةٌ خبيثة مقارنةً بالحياة الطيبة التي يُحييها اللهُ تعالى مَن عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمن.
إن الخَيارَ خيارُك، فإن شئتَ أحياك اللهُ تعالى هذه الحياة الطيبة التي أحياها أنبياءه وأولياءه والصالحين من عباده من ذكرٍ أو أنثى، وإن شئتَ كنتَ من الذين لازمهم الشقاء وأبت أن تفارقهم التعاسة فكانوا في معاناةٍ لا خروج منها ماداموا مُعرضين عن توسُّل قدَر الله الذي وحده بمقدوره أن يمكِّنهم من محو قدَرهم الآدمي العتيق.
