بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يفاخر مُنظِّرو الفيزياء المعاصرة بأنهم قد أصبحوا قادرين على أن يفسِّروا كلَّ ما في الوجود من وقائع وأحداث وظواهر استناداً إلى نظريات هذه الفيزياء. فما من ظاهرةٍ تحدث في هذا الوجود إلا وانبرى لها نفرٌ من فيزيائيي هذا الزمان يُعلِّلون لها ويفسِّرون ما يحدث فيها وفق النموذج النظري الذي صاغته الفيزياء المعاصرة. وهذا النموذج النظري قد استبعد الحاجة لاستقدام وافتراض وجود إلهٍ يُفترض انه خلق الكون وأنه العلةُ التي تفسِّر كلَّ ما يحدث فيه. ويجادلهم نفرٌ من رجال الدين التقليديين فيقولون إن نجاح الفيزياء المعاصرة في تفسير كلِّ ما يحدث في الكون لا يعني بالضرورة نجاح هذه الفيزياء في تفسير ظواهر أخرى قد يجيء بها المستقبل، فهناك في المستقبل من الظواهر ما قد يُعجِز الفيزياء المعاصرة عن أن يكون بوسعها أن تستوعبها داخلاً من منظومتها النظرية تعليلاً لها وتفسيراً.
إن رجال الدين هؤلاء قد فاتهم أن تاريخ الفيزياء قد برهن على أنها قد استطاعت أن تقدم تفسيراً مقنعاً لكل ظاهرةٍ من ظواهر هذا الكون تسنى لها دراستُها. والفيزياء بعدُ قادرةٌ على أن تستوعب أية ظاهرةٍ من ظواهر هذا الكون تَعرض لها في المستقبل فتفسِّرها وفق منظومتها النظرية. ولقد فات هؤلاء أيضاً أن الفيزياء لا تعترف إلا بتلك الظواهر التي يصحُّ أن توصف بأنها ظواهرُ الواقع، وأنها لن يُعجزها على الإطلاق أن تفسِّر أية ظاهرةٍ واقعية مادامت هذه الظاهرة هي بحكم التعريف بنتُ هذا الواقع. والفيزياء قادرةٌ على أن تطوِّر بُنيانها النظري، وبما يجعلُ منها قادرةً على أن تفسِّر أية ظواهر واقعية لم تُكتشف بعدُ، وذلك حالما يحين وقت اكتشافها. كما فات هؤلاء أيضاً أنه كان بمقدورهم أن يحاججوا الفيزياء المعاصرة فيُذكِّرونها بأن بُنيانها النظري ما استقام إلا على أساسٍ من انتخابها لطائفةٍ من ظواهر الوجود تشاركت صفة الواقعية بكونها من مفردات هذا الواقع الملموس المحسوس المعقول، وأن طائفةً أخرى أعرضت هذه الفيزياء عنها لا لشيء إلا لأنها لم تتفق مع ظواهرها الواقعية، وذلك بسببٍ من كونها ظواهر لا تنتمي إلى هذا الواقع.
إن الفيزياء المعاصرة لا تحتاج لنبرهن على فشلها في إثبات ألا حاجة هناك لافتراض وجود إلهٍ خالقٍ مدبر إلى تذكيرها بما قد يجيء به المستقبل من ظواهر ليس بمقدورها أن تجد لها تفسيراً فيزيائياً، قدرما تحتاج إلى دوام تذكيرها بأنها ليس لها أن تستبعد فرضية الإله الخالق المدبر مادامت هي قد أعرضت عن كثيرٍ من ظواهر الوجود، لا لشيء إلا لأنها ظواهرُ غيرُ واقعية بسببٍ من انتمائها لعالمٍ غير واقعي هو حقيقي وإن كان قد استعصى عليها أمرُ ملاحظته والتجريب فيه.
