بورك مَن في السموات والأرض ومَن حولهما

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

milky wayلم يصف أحدٌ من البشر القرآن العظيم كما وصفه مَن شرَّفه الله تعالى بنزوله على قلبه الشريف حضرةُ سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. فيكفينا أن نتذكّر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم وصفه بأنه “كتابٌ لا تنقضي عجائبُه”. وهذا الوصف قمينٌ بنا أن نتدبَّره على الدوام، وذلك حتى تكون مقاربتنا لهذا القرآن كلُّها أملٌ بالله تعالى أن يُنعم علينا بما يجعلنا شهوداً لعجائب من عجائب هذا القرآن. فهذا القرآن قادرٌ على أن يمدَّنا بكل ما نحتاج إليه لنفقه أنفسنا وليكون بمقدورنا أن نقارب واقعنا فلا يكون كل حظنا منه هو مجرد عيشٍ كعيش الأنعام، نأكل كما تأكل والنارُ مثوىً لنا. فما كان اللهُ ليذر مَن تشرَّفوا بهذا القرآن العظيم يستعصي عليهم ما يستعصي على غيرهم ممن فاتهم هذا الحظ العظيم، وذلك شريطةَ أن لا يكون كل حظ القرآن العظيم منا مجرد قراءةٍ وسماع لا نفيد منهما إلا كما يفيد الغربال من الماء!

وإذا ما نحنُ تعهدنا هذا القرآن، بتدبُّره كما أُمرنا، فلن يكون عندها بالعسير علينا أن نُقارب هذه الدنيا بأحداثها وظواهرها مقاربةً تتيح لنا أن نقع على الكثير من الحقائق بشأنها. فلا يُعقل أن لا يكون لنا رأيٌ في ما يحدث في هذه الدنيا من وقائع وأحداث وظواهر فنتقبَّل هكذا وبكل أريحية ما يقول به الآخر، خصوصاً إذا ما كان هذا القول منه يتناقض مع ما جاء به قرآن الله العظيم، ونحنُ الذين بوسعهم أن يغدقوا على العالم من هذا القرآن معارف وعلوماً وحقائق ليس للإنسان أن يصل إليها إلا بتدبُّر هذا القرآن. فكيف يكون مقبولاً لدينا ما يقول به العلم المعاصر من أن الكون قد انبثق هكذا وبانفجارٍ عظيم استحال به العدم وجوداً؟!

إن عجزنا عن تدبُّر هذا القرآن كما أُمرنا، عادَ علينا وسيعود بكل ما هو كفيلٌ بجعلنا نشارك الآخر ضلالاته وأوهامه، ونحن الذين كان يجدر بنا أن نكون المنقذ من كل هذه الضلالات. إن نشوء الكون وفق ما يتوهم العلم المعاصر ليتناقض مع ما كان بوسعنا أن نقع عليه لو أننا استقرأنا قرآن الله العظيم. فنحن إذا ما تدبرنا جانباً من قصة سيدنا موسى عليه السلام كما وردت في هذا القرآن، فلن نعدم ما بوسعه أن يمدنا بتصوُّرٍ بديلٍ لنشأة الكون يُغنينا عن ضلالات العلم المعاصر التي لا يمكن أن تتفق مع القول بأن الله تعالى هو مَن خلق السموات والأرض دون انفجار كبير.

تدبَّر الآيات الكريمة 6-8 من سورة النمل (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6) إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ(7)فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). لنحاول بدايةً أن نتدبَّر هذه النار. فاللهُ تعالى كان قد أوقدها من ذاته الجليلة، هكذا ومن دون لجوءٍ إلى أيٍّ من أسباب عالم الحجاب، بتدخلٍ إلهي مباشر من لدنه وبكلمة “كن”. والذي كان في هذه النار ومَن حولها هو ليس سوى رب النار ورب كل ما حولها، الله سبحانه وتعالى. فتباركَ الله تعالى الذي كان في نار موسى ومَن حولها.

ونحن إذا ما اعتبرنا النار كنايةً عن الكون، فإن الكون كان قد خلقه الله تعالى هكذا ومن ذاته الجليلة دون لجوءٍ إلى أي من أسباب عالم الحجاب. واللهُ تعالى بعد فراغه من خلق هذا الكون أصبح ذا وجودين: وجودٌ في الكون، وآخر من حوله. وهكذا يتبيَّن لنا أن ما ذكره القرآن العظيم من قصة النار، التي ظن سيدنا موسى عليه السلام أنها مجرد نار بوسعه أن يأتي منها أهله بقبس، بمستطاعنا أن نستخلص منه تصوراً لنشوء الكون من المادة الإلهية يُغنينا عن ضلالات العلم المعاصر، التي إن وافقناه عليها فإننا نكون بذلك قد ناقضنا أنفسنا إذ نقول بأن الله هو خالق الكون ونقول في الوقت ذاته إن الانفجار الكبير هو علة نشوء هذا الكون.

إن عجزنا عن تدبُّر هذا القرآن هو ليس بسببٍ من عُسرٍ فيه، ولكنه بسببٍ من إعراضنا عنه وهجرنا له، وهو الكتاب الذي يسَّره الله تعالى للذكر ودعانا مرتين إلى تدبُّره؛ هذا التدبُّر الذي إن نحن واظبنا عليه بقلوبٍ سقطت عنها أقفالها وانقشعت حجُبها، فلن نكون حينها بعاجزين عن أن نستخلص من آياته الكريمة علماً جديداً وحقائق ومعارف نستطيع بها هداية العالم وإنقاذه من ضلالات العقل المفتون بذاته ومن هوى النفس التي لا تريد أن تصدق أن هناك إلهاً غيرها.

أضف تعليق