بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يُستشهدُ ببيت الشعر هذا عادةً لتبيان ما للآثار التي خلَّفها أصحابُها من عظيم قدرةٍ على التدليل عليهم من بعد أن فارقوا تلك الأماكن التي كان لها أن تحظى بما كان ليبقى من بعدهم آثاراً تدل عليهم. فأنت إن عجزتَ عن أن تعرف مَن كان مُقيماً في ديارٍ ما، فلن يُعجِزَك أن تتعرف إليه بدراستك الآثار التي خلَّفها من بعد مفارقته لتلك الديار، فكانت هي الدليلَ عليه والسبيلَ لمعرفته على ما كان عليه حقاً وحقيقة. وإذا كان هذا صحيحاً في عالم البشر، فهو صحيحٌ أيضاً إذا ما أنت أردتَ أن تتعرَّف إلى رب البشر، وذلك بتطبيق ذات المبدأ منتهجاً النهجَ ذاته.

إلا أن هناك فارقاً مهماً يتوجب عليك أن تأخذه بنظر الاعتبار. فلأن اللهَ ربُّ البشر وربُّ كلِّ شيء هو كيانٌ ليس كمثله شيء، وذلك كما علَّمنا قرآنُه العظيم، فإنك لن تستطيع أن تستدل عليه تعالى وذلك بأن تنظر إلى آثاره في الوجود، والتي هي مخلوقاتُه التي تحمل بصمةَ صانعها الله تعالى، إلا من بعد أن تُعرَّف بأن ما من شيءٍ في الوجود إلا وقد خلقه مَن أصبح بذلك خالقَه وإلهَه وربَّه اللهُ تعالى. إذاً فلا استدلال بآثار الله في الوجود قادرٌ على أن يهديك فيدلَّك عليه تعالى إلا بأن يكون هذا الاستدلال مؤيِّداً لما كنت أصلاً قد عرفته بشأنه تعالى، وذلك بتعريفٍ سابقٍ تكفَّل هو به. فالأصلُ هنا إذاً أن يكون التعريفُ سابقاً والاستدلالُ لاحقاً. فما من شيءٍ بمقدورك أن تستعينَ به لتُبرهن على وجودِ مَن ليس كمثله شيء، ولكنك تستطيعُ أن تستدلَّ بآثار خالقِ كلِّ شيء، الله تعالى، فتتيقَّن وتتثبَّت أنك على صراطه المستقيم، مادامت كل هذه الأشياء جميعاً تحمل علامة صانعها وخالقها ومدبِّر أمورها الله تعالى الذي إن عُرِّفتَ به فلن تعجز عن أن يكون بمقدورك أن تجدَ في هذه الأشياء برهانك ودليلك الذي لن يدعَ منفذاً للشك ليتسلَّل إليك منه.
إن معرفتَك بأن اللهَ موجودٌ قد تكفَّل بها هو تعالى كما تكفَّل بأن يجعل في كل ما تراه حولك آثاراً تدلُّ عليه إن أنتَ نظرتَ إليها بعينِ عقلٍ أيقن أنَّ من عرَّفه بنفسه ما كان ليذره دون أن يُثبِّته على صراطه المستقيم بهذه الآثار التي خلَّفها علامةً تدلُّ عليه بها مخلوقاتُه كلُّها جميعاً.
