بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يظنُّ كثيرٌ من المتدينين أن مسألة وجود الله تعالى لك أن تقاربها على أيٍّ من وجهين لا ثالث لهما؛ فهي إما أن تكون مسألةً محسومةً لصالح أن الوجود الإلهي حقيقةٌ لا مراء فيها، وإما أن تكون مسألةً ليس بالعسيرِ إيرادُ ما تشاءُ من البراهين على أن هذا الوجود لله تعالى لاشك فيه. والأمرُ ليس كما يظن هؤلاء الذين لو صدقوا اللهَ ما عاهدوه عليه لما كانت مسألةُ وجوده تعالى عندهم بهذه البساطة مادام الوجود الإلهي أمراً يستدعي منك وجوبَ التفكير فيه، وبما يجعلك قادراً على أن تبرهن عليه إذا ما عرض لك مَن يُشكِّك فيه أو مَن يُنكره. وهؤلاء قد برهنوا على أنهم لم يفقهوا دينهم فقهاً كان ليجعلهم غير قادرين على أن تسكن عقولُهم قبل أن يكون بحوزتهم ما يبرهنوا به على أن الوجود الإلهي حقيقةٌ بالإمكان التدليل والبرهنةُ عليها. إن التديُّن الحقيقي كان ليجعل من هؤلاء يدركون أنه لن يتمكن من قلوبهم فيملؤها ويشغلُها ما لم يلتزم الواحد منهم بتنفيذ ما أمر اللهُ تعالى به في قرآنه العظيم كلاً كاملاً مكتملاً دون تنقيصٍ أو تبعيض. فنحن مأمورون أن ندعو إلى سبيل الله تعالى كما نحن مأمورون بالصلاةِ والزكاة وغيرهما من أركان العبادة. والاكتفاء بالتعبُّد لله تعالى دون أن يكون هذا التعبُّد شاملاً فيتعداك بدعوتك غيرك إلى الله تعالى، ما هو إلا خوضٌ في غمار التولُّه بالنفس والافتتان بها. فاللهُ تعالى قد أمر متعبِّديه بأن يدعوا إليه ليكون في هذه الدعوة منهم البرهانُ على أنهم قد فارقوا الهوى الذي يأمر بلزوم النفس وملازمة ما تأمر به إطاعةً وتنفيذاً وامتثالاً. والدعوةُ إلى الله تعالى، إذ هي واحدةٌ من تقنياتٍ كثيرة تخالف بها عن ما تأمرك به النفس وما يدعوك إليه الهوى، لن تكون خالصةً لوجهه تعالى إلا من بعد أن تُحسن القيام بها دون أن تُمكِّن منها نفسَك أو هواك. فإن كنتَ من هؤلاء الذين لا رياء يشوبُ ويداخل تعبُّدهم لله تعالى، فلن يكون عسيراً عليك حينها أن تدرك أن الدعوةَ إلى الله تُلزمك بأن تكون قادراً على أن تدافع عنه تعالى في وجه المشككين والمنكرين. وهذا يستدعي منك أن يكون بحوزتك ما يُمكِّنك من أن تبرهن على أن الله موجود بحق، بل أنه تعالى واجب الوجود.
وأنا أظن أن بالإمكان أن تجد في الإنسان هذا البرهان على وجوب وجوده تعالى، وأن هذا البرهان يستحق أن يوصف بأنه البرهان الأعظم، وذلك كما سأوجز في الكلمات التالية:
إن تدبُّر الطبيعة كفيلٌ بجعلنا ندرك أنها لا تسمح على الإطلاق بأن يسود فردٌ من الأفراد فيها إذا ما كان هذا الفرد متناشزاً مع نسقها وسياقها، غير متناغمٍ مع باقي كائناتها الطبيعية. ولذلك فإننا إذ ننظر إلى الطبيعة فإننا لن نستطيع أن نرى فيها إلا ما هو قمينٌ بأن يجعلنا عاجزين عن تبيُّن أي نشوزٍ أو حيودٍ أو انحرافٍ عن نسقها المتساوق المتناسق المتناغم. ولما كان الإنسانُ كائناً بالإمكان، وبكل يُسرٍ، البرهان على أنه ذو أصلٍ طبيعي، ولما كان أصلُه الطبيعي هذا لا علاقةَ له بما أصبح عليه لاحقاً من تناشزٍ مع هذا الأصل وحيودٍ وانحرافٍ عنه، فإن بقاء الإنسان واستمراره، دون أن يُصار إلى القضاء عليه من قِبل الطبيعة التي ما كانت لتسمح ببقائه ناهيك عن تسيُّده عليها لو لم يكن في الأمر شيء، لهو دليل على أن هناك مَن تدخَّلَ فحالَ دون أن تتمكن الطبيعة من الإجهاز على هذا الذي تناشز معها وشذَّ عنها وانحرف وحاد. وهذا الذي له أن يأمر الطبيعة فتطيع لن يكون إلا ربُّها الله القادر على كل شيء. وكفى بهذا برهاناً يُخرِس المُلاجج ويقنع المتشكك والملحد.
