المعجزات سراً وعلانية

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

يد ينسكب منها الماءيظن كثيرٌ من رجال الدين أن المعجزات هي خوارقٌ للعادات أيَّد اللهُ بها رسُله الذين أرسلهم إلى أقوامهم فكانت دليلَهم على أنهم مرسَلون من عنده تعالى حقاً. والمعجزات عند هذا النفر من رجال الدين هذه هي علَّتُها. إلا أن هذا التخريج يستند إلى جانبٍ من جوانب التعريف بالمعجزات ليس له أن يستوعبها فيوفيها حقَّها ومستحقَّها. فالرسول هو نبيٌّ قبل أن يكون مرسَلاً. والنبوة تعني أن لمن اختُص بها وتشرَّف شأناً مع الله تعالى ينفردُ به ويتفرَّد متميزاً ومتمايزاً عن باقي خلق الله من إنسٍ وجن. وهذه النبوة تجعل من حياة الرسول ليس كمثلها حياة. والرسول إذ لا تكون كلُّ أوقاته جميعاً مخصصةً للقيام بواجب وتكليف ومهمة الرسالة، فإن من هذه الأوقات ما يكون الرسول فيها في جمعيةٍ مع الله، وهو بذلك يكون معرَّضاً لنوره تعالى وبما ينجم عنه بالضرورة أن تتجلى في حياته آثارٌ لهذا التعرُّض لا يمكن أن لا نصفها بأنها معجزات، مع أنها خوارقٌ للعادات لم يكن هناك من شهودٍ عليها من قومه.

إذاً فليس صحيحاً أن نقول إن المقصود بالمعجزات دوماً هم قوم الرسول، مادام هناك منها ما لم يكن شاهداً عليه غير هذا الرسول. ولنا فيما حدث لسيدنا موسى عليه السلام في خلوته مع الله تعالى خير دليل وبرهان. فمَن كان مع سيدنا موسى عليه السلام من القوم عندما كلّمه اللهُ تعالى في الوادي المقدس طوى؟ ومَن شهد غيرُ سيدنا موسى عليه السلام ما صارَ إليه الجبلُ بعدما تجلى الله تعالى له؟ ومن كان مع سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما قطَّع الطير وشهدَ معجزة إحياء الله تعالى لها؟ ومن كان مع سيدنا يونس عليه السلام من قومه يشهدُ معجزة شفائه من بعد أن لفظه الحوت؟

إذاً فللمعجزات رسائلُ كثيرة لا ينبغي حصر السبب من وراء حدوثها في ما لها من دلالةٍ وبرهان على أن من اجتُرحَت لأجله هو مُرسَلٌ من عند الله تعالى فحسب. فالمعجزات طائفتان؛ فهناك ما يمكن أن يوصف بأنه معجزات النبوة، كما أن هناك ما يمكن وصفه بأنه معجزات الرسالة. فمعجزات النبوة هي تلك التي يمن الله تعالى بها على النبي لشأنٍ يخصُّه هو على وجه التحديد دون أن يكون بالضرورة هذا الشأن من شأن قومه الذين أُرسِل إليهم، وهذه معجزاتٌ يصح فيها أن توصف بأنها “معجزات السر”، والتي تحدث للنبي سراً. ومعجزات الرسالة هي تلك التي يؤيد الله تعالى بها النبي المرسَل إلى قومه، وهذه معجزاتٌ يصح فيها أن توصف بأنها “معجزات العلانية”.

فلا يصح إذاً أن تكون المعجزات هي ما يُظَن بشأنها إذ تُقصَر رسالتُها على القوم الذين أُرسِل إليهم النبي. وإذا ما أردنا أن نكون أكثر تحديداً، وأن يكون كلامنا مُرسَلاً وفق ما تقضي به وتقتضيه قواعد المنطق، فعلينا أن نصنِّف المعجزات فنقول بشأنها إن منها ما هي معجزات النبي ومنها ما هي معجزات الرسول. والرسول ما أصبح رسولاً إلا من بعد أن اختاره الله تعالى ليكون نبياً، ومعجزاته في السر هي معجزات نبوته، أما معجزاته في العلن فهي معجزات رسالته.

أضف تعليق