جبل موسى وتجليات الله تعالى

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

جبل آخر على شكل وجه إنسان

مرةً أخرى يفاجئنا قرآن الله العظيم بقدرته على أن يجعلنا نقع على حقائق ما كان لنا أن نعرفها لولا تدبُّرٍ لآياته الكريمة كما أُمرنا. وكنت قد تحدثتُ في منشور سابق عن نار الله تعالى التي اجتذبت إليها سيدنا موسى عليه السلام ليتحقق له ذاك اللقاء مع الله تعالى الذي تمخَّض عن تكليفه بمهمة إخراج بني إسرائيل من مصر. ولقد ذكرتُ في ذاك المنشور أن بمقدورنا أن نفيد من التوصيف القرآني لتلك النار، وبما يجعل منا نحظى بتصوُّرٍ للكون نشأةً وتطوراً نخالفُ به عن التصور الفيزيائي المعاصر له، وذلك إذا ما نحن قرأنا الكلمات القرآنية الكريمة (أن بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا) قراءةً نستعيض بموجبها عن النار بالكون، فيكون لنا بذلك أن لا نُرجِع نشأة الكون إلى الانفجار الكبير الذي يزعم به علماء الفيزياء الفلكية المعاصرون، ولكن إلى ما قام به اللهُ تعالى من خلْقٍ لهذا الكون من المادة الإلهية المقدسة.

ونحن إذا ما تدبَّرنا ما حدث للجبل الذي تجلى له الله تعالى فجعله دكا، وذلك كما ورد في الآية الكريمة (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (143 الأعراف)، فإن بمقدورنا أن نحظى بتصوُّرٍ لواحدٍ من تجليات الله في هذا الوجود يُعيننا على فقه تجلِّيه تعالى من وراء حجاب الأسباب؛ هذا التجلِّي الذي به كان للكون أن يستقر على ما هو عليه. فاللهُ إذ تجلّى لجبل سيدنا موسى عليه السلام فجعله دكاً، فإن كثافة تواجده تعالى كانت قد ازدادت عن معدَّلها العام وبما تجاوز ما هو كفيلٌ بجعل الجبل يستقر فلا يزول ولا يندك. وهكذا فإن التواجد الإلهي في الكون قد قدَّره اللهُ تعالى، وبما يتكفل بأن يستقر الكون فلا يزول دكاً ومحقاً.

لقد وردت في القرآن العظيم قصة نار سيدنا موسى عليه السلام، وكان أن استفدنا منها وذلك بأن وقعنا على حقيقةٍ من حقائق هذا الوجود عرَّفتنا بكيفية نشأته. كما وجاء في هذا القرآن ذكرُ جبل سيدنا موسى عليه السلام، الذي أعاننا على تصوُّر تواجد الله تعالى في هذا الوجود، وبما يجعله مستقراً فلا يزول ولا يفنى.

إن لهذا القرآن أن يُعين متدبِّره على أن يخلص إلى حقائق ومعارف لها أن تجعل منه قادراً على فقه الكثير من غوامض هذا العالم، وذلك لأن الحقيقةَ لن ترضى بأن يكون كلُّ حظك منها هو ما تظن. فالحقيقةُ هي دائماً أكبر من ظنك بها مادامت هي صنيعة مَن ليس لعقلك أن يحيط به على ما هو عليه: الله تعالى.

أضف تعليق