إنسان الآخرة ليس الإنسان الذي تعرف

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

1b8c76838448f8bc4fa593c46340583c550810145.jpgتختلف الآخرة عن الدنيا اختلافاً بوسعك أن تتبيَّنه إذا ما أنت تدبَّرتَ آياتِ الآخرة التي ذكر فيها القرآن العظيم تفاصيل ما ستكون عليه الأمور يوم القيامة. وهذا أمرٌ جدُّ منطقي؛ فيكفي الآخرة أنها تتمايز عن هذه الدنيا بكونها أبديةً وكلُّ ما فيها خالدٌ مؤبَّد. والآخرةُ، كما علَّمنا هذا القرآن، ذاتُ فيزياءٍ وكيمياءٍ وبايولوجيا خاصة بها ليس لها من تقاربٍ أو تطابقٍ مع ما عرفناه من هذه العلوم في هذه الحياة الدنيا. وهي لذلك لا يمكن أن تكون معقولةً من قِبل علماء الحياة الدنيا؛ إذ كل ما فيها يخرق ما يظنون أنها القوانين التي لا يمكن للمادة أن توجد إلا منضبطةً بها. وهذا واحدٌ من الأسباب التي ينبغي أن تجعلك لا تسمع لهم إذا ما هم تجاوزوا حدودهم فحكموا بما ليس لهم به علم. فالعلم إذا ما احترم حدوده فتقيَّد بها، فله عليك أن تسمع له وإلا فلا سماعَ لمن تعدى حدوده وخاضَ في المجهول بغير علم حتى وإن كان يزعم أنه العلم الشامل المحيط!

على أي حال، فإنني سوف أتطرق في هذا المنشور إلى شيءٍ من عجائب الآخرة. فالإنسان في هذه الحياة الدنيا لا يستطيع أن ينظر إلى الله تعالى فيراه، وذلك لاستحالاتٍ ذات صلة بطبيعة التواجد الإلهي في هذا الوجود، وبخِلقة إنسان هذه الدنيا. إلا أن هذا الأمر سيختلف في الآخرة باختلاف طبيعة التواجد الإلهي فيها عن ما كان عليه في الدنيا، وباختلاف خلقة إنسان الآخرة عن خلقته الدنيوية. فالمؤمنون يوم القيامة، كما يعلِّمنا القرآن العظيم، ينظرون إلى الله تعالى فيرونه (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (22-23 القيامة). وهذه حقيقةٌ من حقائق الآخرة لا مراء فيها. فإنسان الآخرة ليس الإنسان الذي تعرف. فإذا كان إنسان الدنيا قد خُلق ضعيفاً، فإن إنسان الآخرة لن يُخلق كذلك. وخلقة الإنسان الأخروية كفيلةٌ بأن تجعله قادراً، إذا كان من المؤمنين، على أن يحظى بنعمةِ النظر إلى الله تعالى فيراه رؤيةً ليس لنا أيُّ تصوّرٍ عنها على الإطلاق، وليس لنا إلا أن نصدق أنها متحققةٌ مادام القرآن العظيم قد ذكرها.

والنظر إلى الله تعالى يوم القيامة متحققٌ إذا ما تسنى للناظر إليه أن يرى إلى نوره الإلهي منعكساً عن موجودات الآخرة، كما تستطيع أن تنظر إلى الشمس فتراها منعكسةً عن أشياء هذه الدنيا نهاراً، وهذا يكفي الناظر دون أن ينظر بالضرورة إلى عين الشمس. واللبيب تكفيه الإشارة.

أضف تعليق