الخَلق اللحظي والخَلق التطوري

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

تبارك الله أحسنُ الخالقين الذي خلق فقدَّر، والذي يخلق ما لا نعلم، والذي ليس لنا أن نزعم أنَّ بمقدورنا أن نحيط بكيفيات خلْقه الخلْق فنقول إنها لا يمكن لها إلا أن تتخذ الكيفية التي نتوهَّم أنها “صيغةُ الخلْق الفضلى”! فمن نحنُ بعقولنا المحدودة ونفوسنا التي تتوهَّم ألا حدود تحد هواها، لنحكم فنقول إن اللهَ تعالى لا يمكن له إلا أن يخلق الخلق وفق ما تقتضيه قواعد منطقنا السقيم وتفكيرنا المعوج؟! إن أُولي الألباب لَيخالفون عن باقي أفراد الجماعة الإنسانية بخصيصتين يتمايزون بهما عنها. وهاتان الخصيصتان المميِّزتان لهذه الثلة من بني سيدنا آدم عليه السلام هما: مواظبة التدبُّر لكتاب الله العزيز، ومداومة التفكُّر في خلق السموات والأرض. فأولو الألباب في شغُل دائم بين هذا التدبُّر وذاك التفكُّر، فلا ينشغلون بشواغل أهل الدنيا المنصرفةُ قلُوبهم إلى غير الله تعالى. وهؤلاء المتدبِّرون قرآن ربِّهم العظيم، والمتفكرون في خلق السموات والأرض، إذ ينظرون إلى الطبيعة التي خلقها الله تعالى طائعةً له مطيعة، لن يعجزهم أن يتبيَّنوا فيها كيفيةً للخلْق الإلهي قانونُها الذي خُلقت بموجبه هو قانون التطور الذي لا يُنكره إلا مُلاجج أو جاهل، مادام هذا القانون قد حشد له اللهُ تعالى من الأدلة والبراهين على إلهيته ما لا قِبَل للعقل ذي الفكر السليم إلا أن يرضخ لها ويوافقها على ما تدعوه إليه من وجوب الإقرار به قانوناً شاملاً عاماً في حق كل مفردة من مفردات هذه الطبيعة التي طوَّرها ربُّها عز وجل طوراً من بعد طور.

فالتطور البايولوجي قانونٌ إلهي وحقيقةٌ من حقائق هذا العالم إن كان العلم قد اكتشفها فهذا مما يُحسَب له إذ وقع على واحدٍ من أهم قوانين هذا الوجود، إلا أن ما يُحسَب عليه أنه خاض فيما لا ينبغي له إذ شرع بتفسير آليات هذا التطور، وبما جعلَ منه تزول عنه طبيعيتُه ليكتسي بصبغةٍ بشرية أفقدَته علاقتَه بعالم الحقيقة وجعلته مسخاً من تلك المسوخ التي يُحسِن هذا الإنسان تخليقَها من مادة خياله الخصب.

the evolution

على أي حال، فالتطور إذ هو حقيقةٌ من حقائق هذا الوجود، وقانونٌ خطَّته يد القدرة الإلهية، فإنه السمة الأكثر شيوعاً لكيفية الخلْق الإلهي للمادة البايولوجية في هذا الكون. فاللهُ تعالى ما كان له أن يخلقَ الحياة البايولوجية وفق ما تقضي به وتقتضيه عقولُنا محدودة التفكير واسعة الخيال، مادامت هذه العقول عاجزةً عن أن تدرك أن للوجود قواعد إلهية التنشأة، أنشأها من ليس بالضرورة أن يتفق منطقه الإلهي مع منطقنا البشري. فإذا كان اللهُ تعالى قد خلق الحياة البايولوجية متطورةً بعضها عن بعض، فإن ذلك ليتفق مع مقتضيات تدخُّله في هذا الوجود بتواجده فيه تدخلاً غيرَ مباشرٍ من وراء حجاب الأسباب. فالتواجد الإلهي في هذا الوجود يقضي بأن تكون أحداثُه تتسبَّب فيها أسبابُ هذا الحجاب الإلهي الذي توراى اللهُ تعالى من ورائه تخفياً وتلطَّفاً. وما كان اللهُ تعالى ليخرق قانون هذا التواجد الإلهي إلا عندما شاءت إرادته أن يتحقق هذا الخرْق ليتجلى خوارق عاداتٍ ومعجزاتٍ أراد اللهُ تعالى بها ما أراد.

إذاً فالغالب الأعم على كيفية الخلق الإلهي للمادة البايولوجية في هذا الوجود هو بأن تتخلَّق هذه المادة تطوراً طوراً من بعد طور. أما “الخلْق اللحظي”، فهو كيفيةٌ للخلْق الإلهي للمادة البايولوجية له أن يظهر في هذا الوجود بإرادةٍ من لدنه تعالى، وبكلمةٍ واحدةٍ منه هي كلمة “كن” المقدسة. وهذا “الخلْق اللحظي” دليلٌ على أن الله تعالى، الذي خلق المادة البايولوجية في هذا الوجود “خلقاً تطورياً”، قادرٌ على أن يخرق قانونه الإلهي متى ما شاء، فيخلق خلقاً هكذا ومن دون تلك “الأطوار الخَلقية” التي يقتضيها “الخلق التطوري” لتظهر الحياة البايولوجية بتجلياتها التي نعرف.

لقد جاءنا القرآن العظيم بأمثلةٍ على هذه القدرة الإلهية الفذة على خرق الله تعالى قوانينه الإلهية متى ما شاء وأراد. ومن هذه الخروقات الإلهية لقوانين الله تعالى كان “الخلق اللحظي” الذي لنا أن نجد في هذا القرآن من الأمثلة عليه ما ذكرته قصةُ سيدنا صالح عليه السلام من أمر ناقة الله التي خلقها تعالى هكذا وبلحظةٍ واحدة من صخرٍ أصم ومن دون المرور بحُقَب بايولوجية مليونية السنين. وهذا “الخلْقُ اللحظي” لا ينبغي لنا أن نظن أنه الكيفية التي خلقَ الله تعالى بموجبها موجودات الطبيعة، وذلك لأن الغالب الأعم على أحداث هذا الوجود هو تلك التي تتميز بكونها أحداثٌ لا تخرق حجاب الأسباب. فقدرة الله تعالى على “الخلْق اللحظي” لا تعني أن تكون هذه الكيفية للخلق الإلهي هي التي شاعت فكانت الكيفية التي تجلَّت بموجبها الحياة البايولوجية التي نعرف. فلله تعالى قوانينٌ صاغتها حكمتُه الإلهية التي ليس لنا أن نحيط بها فنحدد لها كيفيةً لظهورها وتجلِّيها.

إن هذا الوجود قد استقر وفق قوانينٍ إلهيةٍ صارمةٍ جعلته الوجودَ الذي نعرف. و”الخلق اللحظي” للحياة البايولوجية ليس من بين هذه القوانين التي يصحُّ أن توصف بأنها قوانين عالم حجاب الأسباب، مادام هذا الخلق يجيء خرْقاً لهذا الحجاب بتدخُّلٍ إلهي مباشر لتحقيقه. فسبحان الذي خلق الحياة البايولوجية متطورةً بعضها عن بعض، وهو القادر على أن يخلق كلَّ حيٍّ بايولوجي “خلقاً لحظياً” يخرق به كلَّ ما تقضي به قوانينه الإلهية التي انضبط بها هذا الوجود الذي خُلق “خلقاً تطورياً”.

أضف تعليق