بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً 
يفاخر كثيرٌ من الذين ما تدبَّروا القرآن العظيم، وإن ظنوا أنهم قد حفظوه سورةً وآية، بأنهم قد أقاموا عليك الحجة بزعمهم ألا أصل قرآنياً للتصوف، وهم ما دروا أن التصوف قد أصَّل له هذا القرآن الذي ذكره متلفعاً ومتوارياً من وراء كلمة “الطريقة”، والتي هي كلمةٌ مرادفةٌ للصراط والطريق. فلقد ذكرت سورة الجن في الآية الكريمة 16 منها التصوف عندما تحدثت عن الطريقة والاستقامة عليها (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا). والاستقامة على الطريقة هي لا أكثر من السير على الصراط المستقيم؛ هذا السير الذي أبانت هذه الآية الكريمة عن أنه سيُجازى بسقيا الماء الغدق. وهنا لابد من أن نشدد على أمرٍ جد هام؛ فما تقصد إليه الآية الكريمة من هذا الربط الجدلي بين الاستقامة على الطريقة وسقيا الماء الغدق، لا يمكن أن نقع عليه قبل أن ندرك أن المخاطَب بها كانوا قوماً يفتقرون إلى الماء إذ يعيشون في بيئةٍ قاحلةٍ مقفرةٍ لا نبعَ فيها ولا نهر. وبذلك تخاطب الآية الكريمة مَن كانت أرضه جرداء قاحلةً مقفرة بأنه إذا ما استقام على الطريقة فإن اللهَ سيفجِّر له ينبوعاً يشرب منه ماءً غدقاً. والماء الغدق هو الماء الفرات العذِب الذي لا يُتوقَّع أن تجود به من كانت أرضُه بهذه المواصفات. ولنا أن نستنتج هنا أن استقامتك على الطريقة لها أن تجيئك بعجائب وغرائب ليس آخرها الماء الغدق. وبذلك تكون هذه الآية الكريمة من سورة الجن قد ذكرت التصوف طريقةً وكرامات.
