بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يُصر الإنسان على أن ينظر إلى الأشياء بعينٍ تأبى إلا أن تراها كما تشاءُ له نفسُه وهواه. فنظرة الإنسان إلى الأشياء لا تحددها هذه الأشياء قدر ما تتحدد هي بمحدداته هو. فالرجل، إذ هو إنسان، ينظر إلى المرأة فيأبى إلا أن يراها أنثى مادام هو ينظر إلى نفسه فلا يراها إلا ذكراً! والحقيقةُ إذا استُنطقت فإنها لن تقر ما يذهب إليه الإنسان فيما يتوهم فيظن أن الرجل ذكرٌ والمرأة أنثى. فالإنسان أكثر من مجرد كونه ذكراً أو أنثى، مادام أصله الحيواني قد نحّته نفسُه التي تسيَّدت فأصبحت هي الآمر الناهي. فإذا كان الإنسانُ يشمئز من فكرة أن يكون الحيوان سلفَهُ فإنه يناقض نفسه إذ لا ينظر إليها إلا باعتبار أنها ذكر، إن كان رجلاً، أو أنثى، إن كان إمرأة! إن إصرار الإنسان على التذكير والتأنيث والاكتفاء بهما هويةً، لهو الدليل القاطع بأن الحيوان سلفُه وأصلُه. فلو كان الإنسان غير ذي ماضٍ حيواني، أما كان لينظر إلى نفسه فيراها لا كما يرى الحيوان نفسه إذ ينظر إليها من منظور التذكير والتأنيث؟! على أي حال، فالمرأة إذ تنظر إلى نفسها فلا ترى إلا الأنثى منها، فإنها قد وافقت الرجل في نظرته إليها إذ حجَّمها وهمَّشها وسطَّحها فلم ير فيها إلا الأنثى! وكل الدعوات النسوية المطالِبة بحقوق المرأة ما هي إلا مطالبات ذكورية أكثر منها أنثوية، مادامت هي تنظر إلى المرأة بعين الرجل فلا تراها إلا أنثى! فالحري بهذه الدعوات أن تطالب بحقوق المرأة التي هُضمت وغُبنت فلم تُعامَل كإنسان إذ عوملت كأنثى. فليست المرأة ما يظن الرجل ويتوهم مادامت هي إنساناً قبل أن تكون أنثى. إن الرجل إذ ظلم نفسه فلم ير فيها إلا الذكر منها، فإنه لم يعفِ المرأة من ظلمه هذا إذ لم يرَ فيها إلا الأنثى منها. آن الأوان لكي نتوقف عن هذه النظرة الخائبة بهذه العين الحسيرة. وآن الأوان أن ندرك أننا وإن كنا قد تحدَّرنا عن الحيوان فأصبحنا ذكوراً وإناثاً، فإن هذا التحدُّر لم يكن ليجعل منا مقيَّدين بماضينا مادام اللهُ تعالى قد شرع لنا سبيلاً نفارق بسلوكه عن ذلك الماضي الذي افترقنا عنه يوم أكل أبوانا من الشجرة المحرَّمة.
