بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً
يصرُّ كثيرٌ من الناس على رفض الخلق التطوُّري للإنسان بسببٍ مما يضطرُّهم إليه القول بهذا الخلق من أنَّ للإنسان صلةَ قرابةٍ بالحيوان. فالحيوان عندهم قد خُلق ليستعبده الإنسان وليتفنن في سومه صنوف الإهانة والعذاب. وهذا ليس بالمستغرب من الإنسان الذي لا يفهم إلا أن يكون مستعبِداً لمن هو أدنى منه ومستعبَداً من قِبل من يفوقه ثراءً وغنىً وقوة! ولذلك فإن مَن يظنُّ منا أنه ما رفض القول بالخلق التطوري للإنسان إلا بسببٍ من تناقض هذا مع مقتضيات التديُّن التقليدي، إنما هو في غفلةٍ عن أنَّ السبب الحقيقي وراء قوله بالخلق اللحَظي للإنسان لا علاقةَ له بهذا التديُّن المزعوم، مادام اشمئزازُه من الحيوان هو ما عكَّر مزاجَه فجعله يرفض ذاك ويؤمن بهذا. فإذا كان هذا التديُّن المزعوم هو ما يجعلُ الكثيرَ منا يقول بالخلق اللحظي للإنسان، فإن هناك من الألغاز ما يجعل من هذا القول يشتمل على تناقضات لها أن تطيح به وتقوِّضه نقضاً فدحضاً. ولعل واحداً من أبرز هذه الألغاز هو: لماذا خُلق الذكرُ بثديين؟! فإذا كانت الأنثى قد خُلقت بثديين وذلك لترضع بهما صغارها، فما الذي خُلق ثديا الذكر ليقوما به؟! إن الخلقَ اللحظي للإنسان كان ليجعل من الذكر بلا ثديين، وذلك لانتفاء حاجته، أو حاجةَ غيره، إليهما. أما أن يكون الذكرُ قد خُلق بثديين، فإن هذا دليلٌ قاطعٌ بأن خِلقة الإنسان لم تكن لحظيةً ولكنها كانت تطورية. فالخلق التطوري هو الذي يمكننا من فقه العلة التي جعلت من ذكر الإنسان مخلوقاً بثديين، وذلك لأن الماضي الحيواني للإنسان وحده بوسعه أن يتكفَّل بتبيان ما يجعل من هذا الفقه ممكناً عبر تفكُّرٍ وتدبُّر في الكيفية التي ألجأ الله تعالى الطبيعةَ إلى توسُّلها سبباً ليتسنى لأفرادها تنفيذ برنامجها التصميمي الذي خُلقت به. وهذه قصةٌ طويلة سوف أتطرق إن شاء الله إليها في منشورات لاحقة.
