بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم
اللهُمَّ صَلِّ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدِ الوَصْفِ وَالْوَحْي وَاٌلرِّسالَةِ وَالْحِكْمَةِ وَعَلى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيماً

ينطلق كثيرٌ من رجال الدين في رفضهم الخلْق التطوري للإنسان من منطلقات تشي بما هم عليه من مفارقةٍ لقرآن الله العظيم بإعراضهم عن تدبُّره تدبراً كان ليجعل منهم يفاخرون بأن هذا القرآن قد سبق العلم الغربي المعاصر في تحديد أصل الإنسان نشوءاً وارتقاء. وهذه المنطلقات لها أيضاً أن تدلِّل وتبرهن على أن رجال الدين هؤلاء ما تفكَّروا في خلق السموات والأرض تفكراً كان ليجعلهم يقعون على هذا التطابق المذهل بين الكتابين: كتاب الله العزيز وكتاب الخلْق، وذلك على قدر تعلُّق الأمر بما ورد فيهما من تصريحٍ جلي بأن المخلوقات البايولوجية كلها جميعاً قد تطور بعضها عن بعض وصولاً إلى الإنسان. إن هذه المنطلقات التي أعجزت هذا النفر من رجال الدين عن اكتشاف قانون التطور في كتاب الله العزيز وفي كتاب الخلق قد أبانت عن مدى تمكُّن المعتقدات الجاهلية من قلوبهم، وبما جعلهم عاجزين عن أن يتخلَّصوا من تلك النظرة الملتاثة إلى الحيوان، والتي جعلتهم يرونه مخلوقاً متدنياً مقارنةً بهذا الإنسان العظيم!
وإني والله لا أدري من أين جاءهم هذا اليقين بعظمة الإنسان، الذي لو أنهم تدبروا قرآن الله العظيم حق التدبر لما كان لهم أن يعظموه كل هذا التعظيم ويقدسّوه كل هذا التقديس! إن هذا الاعتقاد بدونية الحيوان، وبعظمة الإنسان، جعل هذا النفر من رجال الدين عاجزين عن أن ينظروا إلى الحقيقة فيرونها، مع أنها قد تجلَّت واضحةً وضوح الشمس.
لقد كان بمقدور هؤلاء أن يدركوا أن الخلقة التطورية للإنسان ليس لها أن تنطق بغير ما حدث في الماضي الغابر من أحداث تسلسلت حتى انتهت إلى هذا الإنسان. فليس للخلق التطوري للإنسان أن يقول ما ليس له فيجزم أن الله تعالى لم يكن قادراً على أن يخلق الإنسان خلقاً لحظياً. فاللهُ قادرٌ على كل شيء، وقدرته تعالى لا تحتاج للتدليل على ما يمكن أن تتجلى به من خلقٍ ليس لعقولنا المحدودة أن تحيط به تعليلاً وكيفية. إلا أن تدبُّر قرآن الله العظيم، والتفكُّر في خلقه البايولوجي، لا يمكن إلا أن يجعلا المتدبر والمتفكر ينتهي إلى نتيجةٍ واحدةٍ لا غير. وهذه النتيجة مفادها أن كل المخلوقات البايولوجية قد تطورت بعضاً عن بعض، وهذا يشمل الإنسان أيضاً.
والآن، أما وقد أدركنا أن التشكيك في الخلقة التطورية للإنسان لا يعني أكثر من أن المشكك إما أن يكون جاهلاً أو ملاججاً، فإن السؤال المطروح هنا هو “لماذا خلق الله تعالى الإنسان خلقاً تطورياً وهو القادر على أن يخلقه خلقاً لحظياً بشهادة ما حواه قرآنه العظيم من أمثلةٍ تشير إلى هذه القدرة الإلهية الفذة؟”. إن الإجابة على هذا السؤال الحصيف يتكفل بها التدبُّر المتمهل المتأني في الطبيعة التي خلقها الله تعالى بكيفيةٍ يتضح لدارسها أنها لا تحيدُ عن قانونٍ إلهي من قوانين الله تعالى التي انضبط بها واتزن فاستقر كونُنا الدنيوي هذا. وهذا القانون الإلهي، الذي خُلقت منضبطةً به الطبيعةُ، هو قانون الاقتصاد في الصرف والإنفاق. فتدبُّر الطبيعة وقائع وأحداثاً وظواهر، كفيلٌ بجعلك تقع على تجليات هذا القانون الإلهي التي لا يمكن بحال أن يتحقق لك إحصاؤها لفرط كثرتها. فاللهُ تعالى ما كان له أن يخلق الطبيعة بإنفاقٍ لا ينضبط بضوابط التقدير التي تحدد الصرف والإنفاق، وبما يضمن أن لا يكون هناك هدرٌ ولا تقتير. وإذا ما نحن تدارسنا نظرياً كيفياتٍ متنوعةً لسيناريوهات مختلفة لعملية الخلق البايولوجي على ضوء ما تستهلكه كل كيفيةٍ منها من الصرف والإنفاق، فإننا لواجدون أن الكيفية الفضلى للخلق البايولوجي هي بأن يكون الخلقُ تطورياً فلا يستهلك ولا يستنفد من المادة البايولوجية والطاقة الحيوية إلا أقل قدرٍ ممكن. وهكذا خُلق الإنسان في توافقٍ مع هذا القانون الإلهي القاضي بأن يُصار إلى تحديد المصروف، وبما لا يجعل منه غير مقيَّد فيكون فيه من الهدر والإسراف والتبذير والتبديد ما لا ينسجم مع حكمة الله تعالى التي يقضي منطقها الإلهي بخلاف ما نتوهم ونظن.
وهذا الاقتصاد في الصرف والإنفاق هو واحدٌ من أهم الأسباب التي جعلت الإنسان ذا خلقةٍ تطورية. ويجيء سبباً مهماً تالياً لهذا السبب الاقتصادي أن الانسان إذ توجب عليه أن يكون مجالاً لتجلِّي الكثير مما هو ذو صلةٍ بما للحيوان من خصائص وميزات، فإنه كان لابد من أن يكون الحيوان حاضراً فيه بماضٍ موغلٍ في القدم البايولوجي فيتسنى له بالتالي أن يحظى بتأثيراتٍ ذات صلة بتلك الخصائص والميزات. فكل ما في الإنسان من تفرُّد وتميُّز بايولوجي وفسيولوجي وسايكولوجي له أصول تضرب عميقاً في ذلك الماضي الحيواني الغابر. والإنسان ما كان له أن يحظى بما هو مميِّز له لولا تلك الأصول الضاربة في القِدَم.
إن الإنسان لم يُخلق خلقاً لحظياً فيكون بالتالي مقطوع الصلة بالحيوان؛ هذه الصلة الحيوية التي ضمنتها خِلقته التطورية وبما جعل منه محلاً لتحقُّق ما خُلق ليعاني ويكابد منه، وبما يتكفَّل بتحقيق برنامجه الخَلقي إذا ما هو عمل جاهداً مجاهداً على التقيُّد بضوابطه الإلهية.
إن الخلق التطوري للإنسان قد خطَّ قدر هذا الإنسان، وبما جعل منه ذا أصلٍ حيواني لا سبيل إلى التشكيك فيه، إلا أنه لم يحتِّم عليه أن يكون أسير هذا الأصل فلا يتسنى له أن يفلت من محكم قبضته فينطلق مترقياً إلى مصاف تجعله بعبوديته المطلقة لله تعالى عبداً من أولئك الذين شرَّفهم الله تعالى بأن وصفهم بأنهم عباد الرحمن الذين شاركتهم هذه الصفة ملائكةُ الله تعالى الكرام الذين وصفتهم الآية الكريمة (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) (19 الزخرف).
